إِنَّ جَسَدَ الْمِيمِ بَشَرِيٌّ، بَلْ جَوْهَرٌ شَفَّافٌ خُلِقَ مِنْ نُورِ نُورِهِ، يَرَاهُ أَهْلُ الصَّفَاءِ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ رُتْبَتِهِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ وَيَرَاهُ أَهْلُ الْكَدَرِ جِسْمًا كَالْأَجْسَامِ وَجَسَدًا كَالْأَجْسَادِ، وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَزِيَادَةٌ فِي كَدَرِهِمْ، وَرُوحُ الْمِيمِ الَّتِي تَحِلُّ فِي هَذَا الْجَسَدِ النُّورِيِّ الَّذِي بَدْؤُهُ مِنْ نُورِ نُورِ اللهِ هِيَ مِنْ وَرَاءِ الذَّاتِ بَدَتْ وَإِلَيْهَا تَعُودُ، فَصْلٌ مِنْ نُورِ الذَّاتِ وَأُسُ الْحَرَكَاتِ، غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَلَا خَالِقَةٍ، قَدِيمَةٌ عِنْدَنَا مُحْدَثَةٌ عِنْدَ بَارِئِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بِهِ قَوْلِي فِي رِسَالَةِ الْفَتْقِ وَالرَّتْقِ: إِنَّ الِاسْمَ قَدِيمٌ بِالنُّورِ مُحْدَثٌ بِالظُّهُورِ، وَالْحَقُّ الصَّحِيحُ عَنْ ظُهُورَاتِ الْأَزَلِ تَعَالَى أَنَّ ظُهُورَاتِهِ كُلَّهَا ذَاتِيَّةٌ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُ الصَّفَا، لِأَنَّ الْمَعْنَى تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَيِّبَ الِاسْمَ غَيَّبَهُ تَحْتَ تَلَأْلُؤِ نُورِ ذَاتِهِ وَغَمْرِهِ وَأَخْفَاهُ وَظَهَرَ كَمِثْلِ صُورَتِهِ تَشْرِيفًا لَهُ، وَهَذَا مَعْنًى بَاطِنُهُ أَكْبَرُ مِمَّا تَقَدَّمَ وَلَا بَعْدَهُ نِهَايَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَزَلَ مَا زَالَ عَنْ كَيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعَيَانِهِ، وَإِنَّمَا زَالَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، وَتَقَلَّبَتْ أَفْئِدَتُهُمْ فَرَأَتْ غَيْبَةً وَظُهُورًا وَاحْتِجَابًا وَحُضُورًا فَجَمِيعُ الْخَلْقِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُغَيِّبُ الْمَعْنَى الِاسْمَ وَيَظْهَرُ كَمِثْلِ صُورَتِهِ عَلَى ضُرُوبٍ ثَلَاثَةٍ: أَهْلُ الصَّفَاءِ بِالصَّفَاءِ، وَأَهْلُ الْمِزَاجِ بِالصَّفَاءِ وَأَهْلُ الْكَدَرِ بِالْكَدَرِ، فَأَمَّا أَهْلُ الصَّفَاءِ بِالصَّفَاءِ: فَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَوْلَاهُمْ مَا حَالَ وَلَا زَالَ، وَلَا ظَهَرَ وَلَا بَطَنَ، بَلْ هُوَ هُوَ مِنْ غَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا تَقَلُّبٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَأَهْلُ الْمِزَاجِ




