مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 19 من 1061

أَشْفَقَ عَلَيْكَ إِشْفَاقَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا تَقْبَلُهُ إِلَّا قُلُوبٌ رَضِيَّةٌ وَعُقُولٌ كَامِلَةٌ وَصُدُورٌ وَاسِعَةٌ.

فَهَذَا قَوْلُ الْعَالِمِ وَتَحْذِيرُهُ لِلسَّائِلِ، مِمَّنْ هَذِهِ صِنَاعَتُهُ وَعِلْمُهُ وَبَرَاعَتُهُ فَكَيْفَ مَنْ أَضَافَ إِلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْكَذِبَ الَّذِي جَعَلَهُ دَيْدَنَهُ فَلَا يَهْدَأُ مِنْهُ لِسَانُهُ وَلَا يَرْتَدِعُ عَمَّا يَقُولُ فِي إِخْوَانِهِ، فَإِنْ قَالَ فِيهِمْ غَيْرَ الْحَقِّ، أَوْ نَطَقَ بِغَيْرِ الصِّدْقِ كَانَ آثِمًا فِيمَا يَقُولُ، مُخَالِفًا اللهِ وَالرَّسُولَ.

وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- هَلْ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: نعم يَا جَابِرُ، فَقُلْتُ: مَوْلَايَ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ خَائِنًا؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: لِمَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : طُبِعَ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ طَبِيعَةٍ(1) إِلَّا الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ.

وَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ: اِحْذَرُوا عَلَى دِينِكُمْ مِنْ ثلاث: رَجُلٌ سَفَّهَ أَخَاهُ وَرَمَاهُ فِي الْقَوْلِ قُلْتُ: أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ؟ قَالَ: الرَّامِي بِهِ مِنْهُمَا، وَرَجُلٌ اِسْتَحْسَنَ الأَحَادِيثَ الْكَاذِبَةَ كُلَّمَا انْقَطَعَتْ أُحْدُوثَةٌ(2) مِنْ كَذِبِهِ مَدَّهَا بِأَطْوَلَ مِنْهَا إلى أَنْ يَتْرُكَ الرَّجُلَ تَتَبُّعُهُ

وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهِ سُلْطَانًا وَزَعَمَ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَةُ اللهِ وَمَعْصِيَتَهُ مَعْصِيَةُ اللهِ وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَأُولِي الأَمْرِ الَّذِينَ قَرَنَهُمْ اللهِ بِرَسُولِهِ وَقَرَنَ رَسُولَهُ بِنَفْسِهِ خَاصَّةً.

وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّحْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ الطَّرَابُلُسِيُّ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخِي عُمَرُ النَّصْرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: حَفَرْتُ حُفْرَةً فِي كُوَرِ الأَهْوَازِ فَوَجَدْتُ فِيهَا صَخْرَةً فَرْفَعْتُهَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَوَجَدْتُ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بِالْيُونَانِيَّةِ مَا نُقِلَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ إِنَّ الصِّدْقَ مِيزَانُ اللهِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ، وَالْكَذِبَ مِيزَانُ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الْجَوْرُ، وَهُمَا يَعْتَلِجَانِ وَيَعْتَرِكَانِ فِي الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، فَإِنْ رَجَحَ الصِّدْقُ عَلَى الْكَذِبِ رَجَحَ الْعَدْلُ عَلَى الْجَوْرِ، وَإِنْ رَجَحَ الْكَذِبُ عَلَى الصِّدقِ رَجَحَ الْجَوْرُ عَلَى الْعَدْلِ، فَتَعَمَّدُوا الصِّدْقَ فَإِنَّهُ نُورٌ مِنْ نُورِ الرَّحمَٰنِ، وَاجتَنِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ عُدَّةٌ مِنْ عُدَدِ الشَّيطانِ، وَإِنَّ لَهُما مِنْ لَقَاحِهِمُا حَلْبَانِ فَحَلْبُ الصِّدْقِ ثَمَرَةٌ يَدُرُّ مِنْهَا النَّجَاحُ وَحَلْبُ الْكَذِبِ تَدُرُّ مِنْ ثَمَرَةِ الْهَلَكَةِ فَكُونُوا مَعَاشِرَ الْحُكَمَاءِ صَادِقِينَ تَمْتَلِئُ أَفْوَاهُكُمْ نُورًا، فَإِنَّ مَنِ افْتَتَحَ بِاسْمِ اللهِ كَلَامًا كَانَ فِيهِ صَادِقًا مَشَى بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَمَنِ افْتَتَحَ بِاسْمِ الشَّيْطَانِ كَلَامًا كَانَ فِيهِ كَاذِبًا هَوَى بِهِ إِلَى النَّارِ.

فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْحِكْمَةَ النَّاطِقَةَ مِنْ تِلْكَ الصَّخْرَةِ الْيَابِسَةِ وَقَدْ تَبَيَّنَتْ مَنْزِلَةُ الْكَذَّابِ عَلَى اللهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِ، فِي كِتَابِ الفَحْصِ وَالبَحْثِ فَقَوْلُ الْمُجِيبِ لِلسَّائِلِ: كُلُّ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ تُبَاعِدُ عَنِ اللهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَوْلِيَاءِ أَوْلِيَائِهِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا حَدَّ وَجَمِيعُهَا كَذِبٌ وَزُورٌ قَالَ السَّائِلُ: وَكَيْفَ يَكُونُ الْكَذِبُ مَا قَالَتْهُ هَذِهِ الطَّائِفَةُ وَالزُّورُ وَالْعَطَبُ مَا فَعَلَتْهُ؟ قَالَ الْمُجِيبُ: إِنَّ اللهِ عَقَدَ عَلَى سَائِرِ الذُّرِّيَّةِ وَجَمِيعِ الْبَرِيَّةِ الْوَفَاءَ بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الإِقْرَارِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ (ولِأولِيائِهِ بالوِصَايَةِ)(3) وَأَنَّهُمْ مِنْهُ وَإِلَيْهِ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِمْ مِنْهُ وَحَسَبِ مَا فَضَّلَهُمْ مِنْ لَدُنْهُ وَالقِيَامِ بِحُقُوقِ الإخْوانِ وَمُوَالَاتِهِمْ فِي السِّرِّ وَالإِعْلَانِ وَاجْتِنَابِ إِبْلِيسَ وَأَوْلِيَائِهِ(4) وَتَرْكِ مُوَالَاتِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ عَلَى مُرُورِ الزَّمَانِ، وَأَكَّدَ بِذَلِكَ الْعُهُودَ وَشَدَّدَ بِهِ الْعُقُودَ وَوَعَدَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ لِلْمُوَفِّينَ وَتَوَعَّدَ فِي الْعَذَابِ الأليمِ الْمُبَدِّلِينَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ وجَزَرَ وَنَهَى وَحَذَّرَ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَخِلَافِ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِيهِ وَلَا تَسَامَحَ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ وَبِذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، ذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾(5)

وَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهِ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(6) وَكَثِيرٌ مِثْلَ هَذِهِ الآيَاتِ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، فَلَمَّا تَجَرَّأَ عَلَيَّ بِكَذِبِهِ، وَأَدَّى إِلَيَّ سَبَّهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ وَرَأَيْتُ الْجَمَاعَةَ أَيَّدَهُمُ اللهِ بِعِزِّهِ مِنْهُم مَنْ لَهُ سَامِعٌ وَلِمَا يَرَآهُ وَيَقُولُهُ طَائِعٌ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ وَدِرَايَةٍ بَلْ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ سُوءِ الرِّوَايَة، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ بِالْحَقِّ حَاكِمٌ، وَلَا مَنْ يُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ مَا رَوَوْا الأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ، وَلَا عَرَفُوا الآيَاتَ الشَّاهِدَةَ قَالَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾(7)، وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿لاَّ يُحِبُّ اللهِ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللهِ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾(8) وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾(9) وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهِ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾(10).

وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ: مَا وُلِّيَ رَجُلٌ عَلَى أُمَّةٍ وَفِيهِمْ أَعْلَمُ مِنْهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ مِحَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَا تَرَكُوا.

وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ وَالْمِقْدَادِ وَأَبِي الذَّرِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالُوا جَمِيعُهُمْ: سَمِعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- يَقُولُ: لَعَنَ اللهُ قَوْمًا يَرَوْنَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ تُغَيَّرُ وَتُبَدَّلُ شَيْئًا شَيْئًا وَبَابًا بَابًا ثُمَّ يَرْضَوْنَ وَلَا يُنْكِرُونَ ثُمَّ لَا يَغْضَبُونَ وَلَا يُعِيبُونَ ذَلِكَ وَأَنْكَرُهَا وَأَعْظَمُهَا أَنْ يَجِيءَ قَوْمٌ يَتَّبِعُونَ بِدْعَتَهُمْ وَجَوْرَهُمْ وَإِحْدَاثَهُمْ وَأَحْكَامَهُمْ وَسُنَّتَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهَا دِينًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ.

الهوامش

1وفي نسخة: المؤمن في كل طبيعة
2وفي نسخة: حديث
3في نسخة: غير موجودة
4في نسخة: وأعوانه
5سورة النساء - الاية 55
6سورة الفتح - الاية 10
7سورة المائدة - الاية 77
8سورة النساء - الاية 148
9سورة العنكبوت - الاية 68
10سورة المائدة - الاية 47
الصفحة 19 من 1061