دَخَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مِنْبَرِهِ وَهُوَ يُقَادُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِتَكَاثُرِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ قَائِدُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى يَا بْنَ أَبِي كَبْشَةَ لَأَمْلَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَرِثَ هَذَا الْمِنْبَرَ، وَقَالَ: هَذَا لَا أَقُولُهُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ بِسِحْرِهِ لِيُرِيَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِهِ: كَفَانَا اللهُ شِرْكَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَلَا تَرَى أَحَدًا يَعْلُوهَا بَعْدِي غَيْرَ عَلِيٍّ وَمَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَبَطُلَ سِحْرُهُ وَخَابَ سَعْيُهُ وَعَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعَلَوْتُهَا بَعْدَهُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا مَعَاشِرَ بَنِي أُمَّيَّةَ عُمُدًا لِأَطْنَابِهَا وَمِنَ الآنَ فَقَدْ وَطَّدْتُ لَكَ الشَّامَ وَقَلَّدْتُكَ زِمَامَ مَمْلَكَتِهَا، وَعَرَّشْتُكَ فِيهَا، وَخَالَفْتُ قَوْلَ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ فِيكُمْ، وَرَأْيَهُ مِنْ تَأْلِيفِ سِحْرِهِ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَقَوْلَهُ فِيكُمْ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ فَزَعَمَ أَنَّهَا أَنْتُمْ بَنُو أُمَيَّةَ مِنْ عَدَاوَتِهِ لَكُمْ، كَمَا لَمْ يَزَلْ هَاشِمٌ وَبَنُوهُ أَعْدَاءَ عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِيهِ، وَأَنَا مَعَ تَذْكِيرِي إِيَّاكَ يَا مُعَاوِيَةُ وَشَرْحِي لَكَ مَا شَرَحْتُ وَبَيَّنْتُ فَإِنِّي لَكَ نَاصِحٌ وَمُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْ ضِيقِ غَيْظِكَ، وَحَرَجِ صَدْرِكَ وَقِلَّةِ حِلْمِكَ مِنْ أَنْ تَنْقُضَ شَيْئًا مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ، أَوْ تُبْدِيَ لَهُمْ مُطَالَبَةً بِذَحْلٍ(1)، أَوْ رَدًّا لِمَا أَتَى بِهِ وَاسْتِنْقَاصًا فِيمَا أَمَرَ وَحَظَرَ عَلَيْهِ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ثُمَّ تَخْفِضُ مَا رَفَعَهُ وَتَهْدِمُ مَا بَنَاهُ، فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ وَصَدِّقْ مُحَمَّدًا
1الذَّحْلُ مَعْنَاهُ الثَّأْرُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْحَقُّ أَوْ شَمَاتَةً بِمَوْتٍ.




