مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 163 من 1061

فَرَحَّبَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لَعَنَهُ اللهِ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اُسْكُنْ مِنْ فَوْرَتِكَ وَهَدِّئْ مِنْ رَوْعَتِكَ وَاعْقِلْ بِقَلْبِكَ وَانْظُرْ بِعَيْنِكَ وَاسْمَعْ بِأُذُنِكَ، مَا تَقُولُ فِي أَبِيكَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَكَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ وَنَاصِرَهُ وَمُصَاهِرَهُ بِأُخْتِكَ حَفْصَةَ وَوَالِدُكَ قَالَ: لَا يُعْبَدُ اللهِ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ سِرًّا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: هُوَ كَمَا وَصَفْتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، فَأَبُوكَ قَلَّدَ أَبِي الشَّامَ، أَمْ أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ خِلَافَةَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: لَا بَلْ أَبِي قَلَّدَ أَبَاكَ الشَّامَ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، هَلْ تَرْضَى بِعَهْدِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ قَلَّدَهُ الشَّامَ وَمَا أَمَرَهُ بِهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: رَضِيتُ بِهِ، فَضَرَبَ يَزِيدُ يَدَهُ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَتَّى نَقْرَأَ خَطَّهُ، فَقَامَ مَعَهُ حَتَّى وَرَدَ خِزَانَةً مِنْ خَزَائِنِهِ فَدَخَلُوهَا، وَدَعَى بِصُنْدُوقٍ وَاسْتَخْرَجَ طُومَارًا لَطِيفًا مَطْوِيًّا فِي خِرْقَةٍ سَوْدَاءَ، فَأَخَذَ الطُّومَارَ فَنَشَرَهُ وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَمَا هَذَا خَطُّ أَبِيكَ وَخَاتَمُهُ؟ قَالَ: بَلَى، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِقْرَأْهُ، فَأَخَذَهُ وَقَبَّلَهُ وَإِذْ فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أُكْرِهْنَا بِالسَّيْفِ عَلَى الإِقْرَارِ بِهِ، فَأَقْرَرْنَا وَالصُّدُورُ وَاغِرَةٌ، وَالأَنْفُسُ وَاجِفَةٌ وَالنِّيَّاتُ وَالْبَصَائِرُ شَائِكَةٌ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ وَالضَّمَائِرُ زَائِلَةٌ عَنْهُ، مِنْ جَحْدِ مَا دَعَانَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ إِلَيْهِ، وَجَعَلْنَا مَا أَجَبْنَاهُ إِلَيْهِ وَأَطَعْنَاهُ فِيهِ رَفْعًا لِسُيُوفِهِ عَنَّا، وَتَكَاثُرِهِ عَلَيْنَا بِالْحَيِّ مِنْ الْيَمَنِ وَمُعَاضَدَةِ مَنْ عَاضَدَهُ مِنْ نِزَارَ وَقَحْطَانَ فَمَنْ تَرَكَ دِينَهُ وَمَا مَاتَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُ فَبِاللَّاتِ وَالْعُزَّى أُقْسِمُ وَبِالأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ الَّتِي مَا جَحَدَهَا عُمَرُ مُذْ عَبَدَهَا وَلا عَبَدَ للْكَعْبَةَ رَبًّا، وَلَا صَدَّقْتُ لِمُحَمَّدٍ قَوْلًا، وَلَا أَلْقَيْتُ السَّلَامَ إِلَيْهِ إِلَّا لِلْحِيلَةِ عَلَيْهِ وَإِيقَاعِ الْبَطْشِ بِهِ، فَإِنَّهُ أَتَانَا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ، وَزَادَ فِي سِحْرِهِ عَلَى سِحْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمُوسَى وَدَاودَ وَسُلَيْمَانَ وَبْنِ أُمِّهِ عِيسَى وَلَقَدْ أَتَى بِكُلِّ مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ السِّحْرِ الْعَظِيمِ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ بِسِحْرِهِ مَا لَوْ شَاهَدُوهُ لَأَقَرُّوا أَنَّهُ سَيِّدُ السَّحَرَةِ وَعَالِمُهُمْ، فَخُذْ يَا بْنَ أَبِي سُفْيَانَ سُنَّةَ قَوْمِكَ وَاتِّبَاعَ مِلَّتِكَ وَالْوَفَاءَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُكَ مِنْ جَحْدِ هَذِهِ الْبُنْيَةِ الَّذِي يَقُولُونَ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا أَمَرَهُمْ بِالْحَجِّ إِلَيْهَا، وَالسَّعْيِ حَوْلَهَا، وَأَنَّهُ جَعَلَهَا لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي جَعَلُوهُ بَيْتًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَفُّوا حَوْلَهُ فَكَانَ مِمَّنْ أَعَانَ مُحَمَّدًا هَذَا الْفَارِسِيُ الطَّمْطَانِيُّ والَّذي يُقَالُ لَهُ رَوزَبَه وَقَالُوا أَنَّهُ أوحَى إلَيْهِمْ أَنَّهُ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾(1) ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَاكُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(2) وَجَعَلُوا صَلَاتَهُمْ لِلْحِجَارَةِ فَمَا الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَيْنَا لَوْلَا سِحْرُهُ مِنْ عِبَادَتِنَا لِلأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَهِيَ حِجَارَةٌ مِنْ نُحَاسٍ وَفِضَّةٍ وَخَشَبٍ وَذَهَبٍ؟ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى يَا مُعَاوِيَةُ، مَا أَجِدُ سَبِيلًا إِلَى الْخُرُوجِ وَإِنْ سَحَرُوا وَمَوَّهُوا، فَانْظُرْ بِعَيْنٍ مُبْصِرَةٍ، وَاسْمَعْ بِأُذُنٍ سَامِعَةٍ، وَتَأَمَّلْ بِعَقْلِكَ وَقَلْبِكَ مَا هُمْ فِيهِ وَاشْكُرِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى عَلَى اسْتِخْلَافِ السَّيِّدِ الرَّشِيدِ عَتِيقِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَتَحَكُّمِهِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَشَرَائِعِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَحَلَالِهِمْ وَحَرَامِهِمْ وَجِبَايَةِ الْحُقُوقِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَجْبَوْنَهَا لِرَبِّهِمْ لِتَقْوَى بِهَا أَنْصَارُهُمْ وَأَعْوَانُهُمْ، فَعَاشَ سَدِيدًا رَشِيدًا خَائِفًا وَاجِلًا، يَخْضَعُ جَهْرًا، وَيَشْتَدُّ سِرًّا، وَلَا يَجِدُ حِيلَةً غَيْرَ مُعَاشَرَةِ الْقَوْمِ، وَقَدْ أَجَبْنَا عَلَيْهِ فِي وَثَبَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شِهَابُ هَاشِمٍ وَقَمَرُهَا الزَّاهِرُ وَخَصِيمُهَا الْقَاهِرُ، وَقَمْقَامُهَا الْبَاهِرُ، وَسَيْفُهَا الْبَاتِرُ، وَعَلَمُهَا الشَّاهِرُ وَعَدَدُهَا الْكَاثِرُ، الْمُسَمَّى بِحَيْدَرَةَ، الْمَصَاهِرُ لِمُحَمَّدٍ عَلَى ابْنَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَسَمَّوْهَا فَاطِمَةَ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى بَابِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ هَذِهِ، وَابْنَيْهَا الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَبَنَاتِهَا زَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ وَالأَمَةِ الْمَدْعُوَّةِ فِضَّةَ وَمَعِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقُنْفُدٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَصَحْبٌ مِنْ خَوَاصِّنَا فَقَرَعْتُ الْبَابَ عَلَيْهِمْ قَرْعًا شَدِيدًا فَأَجَابَتْنِي الأَمَةُ فَقُلْتُ لَهَا: قُولِي لِعَلِيٍّ دَعْ عَنْكَ الأَبَاطِيلَ وَلَا تَلِجْ نَفْسَكَ فِي طَلَبِ الْخِلَافَةِ، فَلَيْسَ الأَمْرُ لَكَ بَلْ لِمَنِ اخْتَارَهُ الْمُسْلِمُونَ وَرَبِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، لَوْ كَانَ الأَمْرُ وَالرَّأْيُ لِأَبِي بَكْرٍ لَفَشِلَ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ خِلَافَتِهِ بَعْدَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ الَّتِي أَبْدَيْتُ

الهوامش

1سورة ال عمران - الاية 96
2سورة البقرة - الاية 144
الصفحة 163 من 1061