مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 115 من 1061

مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكَوْرًا بَعْدَ كَوْرٍ، وَجَوْرًا بَعْدَ جَوْرٍ، وَدَوْرًا بَعْدَ دَوْرٍ، فَطُوبَى لِمَنْ خَلَصَ بِالْكَرَّاتِ وَالدَّوْرَاتِ، فَإِنَّ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْجُبَ الْخَلْقَ عَنْ ذَاتِهِ، وَالْعَالَمَ عَنْ كُنْهِهِ لَمْ يَدَعْهُمْ هَمَلًا وَلَا تَبْدِيلًا، بَلْ يَخْتَبِرُهُمْ بِأَهْلِ الْمَقَامَاتِ وَالرُّتَبِ، مِمَّنْ قَدْ خَلَّصَهُ وَاصْطَفَاهُ لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى الْعَالَمِ بَعْدَ إِيقَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، يَا أَبَا هَاشِمٍ، هَذَا لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ قَدْ سُعِدَ بِالْقَبُولِ فَكَيْفَ تَحُدُّ أَنْتَ أَوْ يَحُدُّ غَيْرُكَ مَعْنى الكُنْهِ وَالْغَايَةِ، فَارْجِعْ إِلَى مَوْلَاكَ وَاسْتَمْسِكْ مِنْهُ يَهْدِيكَ، فَإِنِّي حُجَّةٌ عَلَيْكَ وَكَذَلِكَ أَنْتَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا عَرَفْتَ ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ مَا كَانَ فِي يَدِهِ حَصَاةً صَفْرَاءَ فَأَخَذْتُهَا مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ غَابَ عَنْ عَيْنِي فَلَمْ أَرَهُ فَرَجَعْتُ إِلَى مَوْلَايَ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهِ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾(1)، فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِالْحَصَاةِ؟ قَالَ: بِعْهَا وَاسْتَعِنْ بِهَا، وَأَعِنْ بِهَا إِخْوَانَكَ، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى سُوقِ الْجَوَاهِرِ فَبَلَغَتْ أَلْفَ دِينَارٍ، فَبِيعَتْ لِلْخَلِيفَةِ فَطَالَبَ بِالْمَعْرِفَةِ عَلَيْهَا، فَأَتَيْتُ بِهِمْ مَنْزِلِي وَأَهْلِي وَقَبَضْتُ الْمَالَ، وَأَخْرَجْتُهُ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ هُمْ بِسَرَّ مَنْ رأى بِالسَّوِيَّةِ لَمْ أَفْضُلْهُمْ بِحَبَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَرَ الْمُتَوَكِّلُ فَدُفِعَتْ إِلَى رَجُلٍ فِي السُّوقِ لِيَصُوغَ لَهُ مِنْهَا خَاتَمًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ فَتَحَ صُنْدُوقَهُ فَلَمْ يَجِدْ الْجَوْهَرَةَ، فَسَقَطَ لِوَجْهِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ عَدُوًّا لِلْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- فَإِذَا ذُكِرَ بِحَضْرَتِهِ يَقُولُ: كَمْ يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْحُبْشَانِ؟ فَأَرْسَلَ الْمُتَوَكِّلُ يَسْتَخِيرُهُ فِي أَمْرِهَا، وَأَلْزَمَ مَنْ يُعَنِّفَهُ بِحُضُورِهَا بِسُرْعَةٍ فَأُرْهِقَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ فَقَدْتُهَا، فَحُمِلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَأَخْبَرَهُ بِذَهَابِهَا فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ فَضُرِبَتْ، وَبَعَثَ إِلَى سُوقِ الْجَوَاهِرِ أَنِ اطْلُبُوا مَنْ بَاعَهَا فَأَحْضِرُوهُ لِنَسْأَلَهُ عَنْ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ الْجَوَاهِرِ: إِنَّ الَّذِي بَاعَ هَذِهِ الْجَوْهَرَةَ رَجُلٌ يَمَانِيٌّ، طَوِيلٌ أَسْمَرٌ مُعْتَمٌ مُعْتَجِرٌ لَا نَعْرِفُهُ، نَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَبَاعَهَا وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ لِوَقْتِهِ وَلَمْ يَذْكُرُونِي وَلَا عَرَفُونِي، وَأَنَا كُنْتُ مَعَهُمْ أَسْمَعُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَأُعَايِنُهُ كَأَحَدِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ حَالِي أَعْجَبُ مِنَ الأَوَّلِ، فَهَذِهِ مَنَازِلُ أَوْلِيَاءِ اللهِ وَمَقَامَاتُهُمْ، مُحَكَّمُونَ مُخَيَّرُونَ فِي الأَرْضِ وَالسَّمَٰوَاتِ.

وَيَأْتِي سَفِيهٌ لَا يَعْرِفُ قُبُلَهُ مِنْ دُبُرِهِ يَقُولُ عَلِيٌّ اِسْمُ النَّاسُوتِ وَاللهُ اِسْمُ اللَّاهُوتِ وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَقَدْ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَقِيبٌ نَقَّبَ عَمَّا فِي الصُّدُورِ وَالضَّمَائِرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبَلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾(2) أَيْ لَيْسَ يَحِيصُ عَمَّا عَلِمَ

الهوامش

1سورة فصلت - الاية 30
2سورة ق - الاية 36
الصفحة 115 من 1061