وَاتَّبَعْتُهُ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ أَرَهُ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ وَلَا رَجَعَ إِلَى الدَّارِ فَبَقِيتُ مُتَحَيِّرًا، فَقَالَ لِي مَوْلَايَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، اِمْضِ إِلَى سُوقِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ، فَجِئْتُ إِلَى سُوقِ الْكُوفِيِّينَ فَإِذَا بِرَجُلٍ مُخْتَبِئٌ بِرِدَائِهِ جَالِسٌ عَلَى بَعْضِ الْحَوَانِيتِ وَبِيَدِهِ حَصاةً بَيْضَاءَ، وَإِذَا هُوَ يُقَلِّبُهَا مِنْ كَفِّهِ الأَيْمَنِ إِلَى كَفّهِ الأَيْسَرِ، وَمِنْ كَفّهِ الأَيْسَرِ إِلَى كَفِّهِ الأَيْمَنِ وكُلَّمَا أدَارَهَا مِنْ كَفّهِ الأَيْمَنِ إِلَى كَفٍّ مِنْ يَدِهِ اسْتَحَالَ لَوْنُها إلى غَيْرِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ، فَمَرَّةً خَضْرَاء وَمَرَّةً حَمْرَاءَ وَمَرَّةً صَفْرَاءَ وَمَرَّةً زَرْقَاءَ فَلَمَّا بَصَرَ بِي قَدْ أَطَلْتُ النَّظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِي: أَحَاضِرٌ يَا أَبَا هَاشِمٍ، فَقُلْتُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي أَنْتَ فِي طَلَبِهِ، وَقَدْ غَرُبَ عَلَيْكَ أَمْرُهُ، فَقُلْتُ: لَسْتَ بِالصُّورَةِ الَّتِي رَأَيْتُكَ بِهَا بِحَضْرَةِ مَوْلَايَ وَكُنْتُ رَأَيْتُهُ رَجُلًا طَوِيلًا أَسْمَرًا أَسْوَدَ الشَّعْرِ أَقْنَى الأَنْفِ ذَا صَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ مُعْتَمًا مُعْتَجِرًا(1) وَإِذَا هُوَ بِصُورَةِ رَجُلٍ رَبِعِ الرِّجَالِ يَعْلُو شَعْرَهُ صُهْبَةٌ، دُرِّيُّ الْجَبْهَةِ، مُشَرَّبَةٌ وَجَنَاتُهُ بِحُمْرَةٍ حَتَّى كَأَنَّ خَدَّيْهِ يَقْطِرَانِ دَمَاً، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، ذُو أَنْفٍ مَمْدُودٍ وَصَوْتٍ عَذْبٍ وَنَغْمَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، لَوْ كُنْتَ مِنَ الْمُتَوَسِّمِينَ لَعَرَفْتَنِي بِالصُّورَتَيْنِ فَلَوْ لَحِقْتَ بِأَصْحَابِ الأَعْرَافِ لَعَرَفْتَنِي بِالْحَالَتَيْنِ، إِنَّ اللهِ أَخْبَرَكُمْ بِنَفْسِهِ وَظَهَرَ فِيكُمْ بِذَاتِهِ، وَخَاطَبَكُمْ جِهَارًا وَلَمْ يَدَعْ لَكُمْ عَلَيْهِ حُجَّةً،
1اعتجر فلان بالعمامة: لفها على رأسه ورد طرفها على وجهه




