يَا غُلَامُ صَدَقْتَ، فَقُلْتُ: فَمَا يَأْمَنُكَ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ غِيَابِهِ عَنْكَ الْمُؤَدِّي إِلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا تَلْفَّظَ بِهِ أَوَلَيْسَ إِنْ كَانَ حَجَبَكَ عَنِ الَّذِي لَمْ يَزُلْ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا غُلَامُ لَقَدْ أَوْرَدْتَ عَلَيَّ أَمْرًا كَبِيرًا مَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَلَقَدْ صَحِبْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ -عَزَّ عَزُّهُ- عِشْرِينَ سَنَةً وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ -عَزَّ عَزُّهُ- اِثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- تِسْعَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا سَمِعْتُ هَذَا، فَأْمُرْنِي، فَقُلْتُ: لَا يَجُوزُ أَنْ آمُرَكَ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ مَا قُلْتُ حَقٌّ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا قُلْتَهُ لِي هُوَ الْحَقُّ فَقُلْتُ: أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَجِدْ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ مِنْ حَائِلٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الَّذِي لَمْ يَزُلْ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، فَكَيْفَ أَنْتَ فِي وَقْتِكَ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: أَنَا فِي وَقْتٍ يَدُلُّنِي هُدَاهُ فَأَخْلُو بِهِ وَأُشَاهِدُهُ، فَقَالَ: مُرْنِي أُطِعْكَ، قُلْتُ لَهُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فِي طَاقَةِ الطَّاعَةِ فَإِلَيَّ، ثُمَّ إِنَّ الْغُلَامَ انفَتَحَ عَلَيْهِ حَتَّى تَعَلَّمَ وَأَسْمَعَهُ وَأَطَاعَ لَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا غُلَامُ لَقَدْ حَمَلْتَنِي عَلَى أَمْرٍ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، إِذَا يَا فُرَاتُ بْنَ أَحْنَفَ لَزِمْتَ عِنْدِي مُدَّةَ خَمْسِينَ سَنَةً وَقَدِ احْتَجَبْتُ عَنِ الْخَلْقِ، وَإِذَا مَوْلَايَ وَلَّاكَ أَمْرِي فَأَطِعْ ذَلِكَ، قُلْتُ لَهُ: صَبْرٌ جَمِيلٌ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَرَانِي يَا فُرَاتُ هَالِكًا وَلَكِنْ قَالَ لِي مَوْلَايَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ -عَزَّ عَزُّهُ- : تَمَسَّكْ بِهِ فَإِنَّ لَكَ فِيهِ الِامْتِحَانَ فَقُلْتُ: إِنَّ الرَّاعِيَ أَعْلَمُ بِغَنَمِهِ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ فِيكَ مُرَادًا لَرَدَّكَ، وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَدَّكَ مَا قَبِلْتَ مِنْهُ، كَمَا أَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنِّي وَلَمْ تَقْبَلْ، ثُمَّ قُمْتُ وَخَرَجْتُ مِنَ الدَّارِ، وَكُلُّ مَا أَظْهَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِنَان -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ أَمْرِهِ احْتِجَابٌ وَغَيْرُهُ اِمْتِحَانًا لِهَذَا الْخَلْقِ وَتَأْدِيبًا لَهُمْ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ يَمْتَحِنُهُ وَيَخْتَبِرُهُ.
وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخُصَيْبِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَمْدَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَاشِمٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَوْلَايَ أَبِي الْحَسَنِ -عَزَّ عَزُّهُ- فَاسْتَأْذَنَّا لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ طَوِيلٌ جَسِيمٌ وَسِيمٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْوَلَايَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ بِالْقَبُولِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ مُلَاصِقًا إِلَى جَانِبِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْتَ شِعْرِي، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ لِي مَوْلَايَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، هَذَا مِنْ أَوْلَادِ حَبَابَةَ أَصْحَابُ الْحَصَاةِ الَّتِي طَبَعَ عَلَيْهَا آبَائِي بِخَوَاتِمِهِمْ فَانْطَبَعَتْ، وَقَدْ جَاءَ بِهَا يُرِيدُ أَنْ أَطْبَعَ لَهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجْ حَصَاتَكَ الَّتِي مَعَكَ، فَأَخْرَجَ حَصَاةً وَهِيَ مُلَمْلَمَةٌ مَا فِيهَا مَوْضِعٌ أَمْلَسَ فَأَخَذَهَا مَوْلَايَ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ فَطَبَعَ الْحَصَاةَ فَانْطَبَعَتْ، فَكَأَنَّهُ بِهَا قَدْ تَبَيَّنَ نَقْشُ خَاتَمِهِ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقُلْتُ لِلْيَمَنِيِّ: هَلْ رَأَيْتَهُ قَطُّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ؟ قَالَ: وَإِنّي فِي طَلَبِهِ مُذْ كُنْتُ وَكُوِّنْتُ، وَهَلْ يُدْرَكُ كُنْهُهُ، وَقَامَ وَنَهَضَ وَهُوَ يَقُولُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ﴾(1) وَخَرَجَ




