كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾(1).
وَلِهَذَا قَالَ سَيِّدُنَا أَبُو شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- :
عَلَمُ الْمَحَجَّةِ وَاضِحٌ لِمُرِيدِهِ | وَأَرَى الْقُلُوبَ عَنِ الْمَحَجَّةِ فِي عَمَى | |
وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِهَالِكٍ وَنَجَاتُهُ | مَوْجُودَةٌ وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِمَنْ نَجَا |
وَأَمَّا فِي زَمَنِ التَّطَاوُلِ وَالْمُهْلَاتِ فَإِنَّهَا غَيْبَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمَ غَيْبَةً وَاسْتِتَاراً وَإِمْهَالاً وَانْتِظَاراً فَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الِامْتِحَانِ الْكَشْفَ وَالْفَرَجَ الْأَعْظَمَ، كَمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ فَلَيْسَتِ الْغَيْبَةُ كَالظُّهُورِ وَلَا الْإِسْتِتَارُ كَالْبُرُوزِ.
لَقَدْ شَاهَدْنَا بِالْكِتَابِ الْمُعَظَّمِ كِتَابِ الصِّرَاطِ قَوْلَ مَوْلَانَا جَعْفَرٍ الصَّادِقِ الْوَعْدُ -عَزَّ عَزُّهُ- : اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ إِنَّ لِمَوْلَاكَ إِرَادَاتٍ وَبِدَايَاتٍ أَبْدَاهَا فِي خَلْقِهِ يُظْهِرُهَا حِيناً وَيُخْفِيهَا حِيناً، فَإِذَا أَظْهَرَهَا كَانَتْ جَزَاءً عَمَّا أَخْفَاهَا، وَإِذَا أَخْفَاهَا كَانَتْ جَزَاءً عَمَّا أَبْدَاهَا، سُبْحَانَ مَنْ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(2) وَمَعَ هَذَا لَا يَفُوتُهُ مِنْ أَعْمَالِ الْخَلْقِ شَيْئاً مِنَ الْأَضْدَادِ يَعْمَلُونَ مَا يَشَاؤُونَ وَدَعِ الْجُهَّالَ يَمُوجُونَ بِمَا يُرِيدُونَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾(3) وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(4)، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُعَاجِلِ الْمُسِيئِينَ بِمَا جَنَوْهُ وَبِأَجْرِ الْمُحْسِنِينَ فِيمَا أَحْسَنُوهُ، غَيْرَ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ فِي الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وَالْأَجَلِ الْمَحْتُومِ فِي الْكَرَّةِ الزَّهْرَاءِ وَالرَّجْعَةِ الْبَيْضَاءِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ عَنْ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمُخَبِّطِينَ وَوَصَفْنَاهُ مِنَ الْمُعَطِّلِينَ وَبِيَّنَاهُ مِنَ الْمُبْطِلِينَ: عَنْ قَدْ أَجْمَعْنَا جَمِيعاً عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَا حَالَ وَلَا زَالَ وَلَا ظَهَرَ وَلَا بَطَنَ وَلَا انْتَقَلَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَنَحْنُ هَهُنَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ ظَهَرَ ثُمَّ بَطَنَ ثُمَّ نَشُوهِدَ لَنَا ثُمَّ غَابَ عَنَّا ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْغَيْبَةِ، أَوْ كَانَ غَائِباً ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الظُّهُورِ، أَوْ كَانَ كَشْفاً فَانْتَقَلَ إِلَى الْإِسْتِتَارِ أَوْ كَانَ الِاسْتِتَارُ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكَشْفِ، فَقَدْ حُلْنَا عَنِ التَّوْحِيدِ.
فَالْتَوْحِيدُ عِنْدَنَا هُوَ سُبْحَانَهُ الْعَلِيُّ الَّذِي لَا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَغْيِيرٍ أَوْ تَبْدِيلٍ، وَهُوَ الدَّائِمُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ التَّغْيِيرِ




