الْمَقَالَةُ الثَّامِنَةُ:
قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُحْتَجِبٌ عَنْ خَلْقِهِ، فَإِنَّمَا عَنَى غَيْرَهُ(1).
فَهَذَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ تُدَقِّقَ النَّظَرَ فِي مَعْرِفَتِهِ وَتُجْهِدَ النَّفْسَ فِي طَلَبِ غَوَامِضِهِ وَلَا تَغْفُلَ عَنْ سِرِّهِ وَدِقَّتِهِ، كُلُّ ذَلِكَ فِي مَقَامَاتِ الظُّهُورِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَائِرِ أَقْوَالِنَا، وَالشَّخْصُ النَّاطِقُ عَلَى الْمَنَابِرِ يَدَّعِي كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ كَأَحَدِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُونَ عَارِفُونَ بِهِ مِنْ عَهْدِ الذَّرِّ وَفِي كُلِّ مَقَامٍ مَا زَالُوا عَنْ مَعْرِفَتِهِمْ، وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ الْمُعَطِّلُونَ الْمُقَصِّرُونَ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ ذَلِكَ وَأَشَارُوا فِي عُتُوِّهِمْ إِلَى غَيْبٍ مُحْتَجِبٍ لَا يُنْظَرُ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ مُحْتَجِبٌ عَنْ خَلْقِهِ فَإِنَّمَا عَنَى غَيْرَهُ فَكَانَتِ الْغَيْبَةُ وَالْحُجْبَةُ لِكُفْرِهِمْ وَتَقْصِيرِهِمْ وَإِنْكَارِهِمْ وَتَعْطِيلِهِمُ الَّذِي مَنَعَهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾(2)، وَقَالَ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- : ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(3)، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾(4) وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾(5)، كُلُّ ذَلِكَ فِي عَمَى الْقُلُوبِ لِلْجَاهِلِينَ،




