الشَّخْصَ الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَشَاهَدْنَاهُ ظَاهِراً عِيَاناً مَوْجُوداً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ يَدْعُونَا إِلَى نَفْسِهِ وَيُشِيرُ إِلَى ذَاتِهِ لَسْنَا نَقْدِرُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَيْهِ بِحَيْثُ هُوَ وَنُدْرِكُهُ بِكُلِّيَّتِهِ وَتَثْبُتُ أَبْصَارُنَا لِرُؤْيَتِهِ بِإِحَاطَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ إِلَيْنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ بِنُورَانِيَّةِ لَاهُوتِهِ لَانْخَسَفَتِ الْأَرْضُ بِمَا عَلَيْهَا وَسَاخَتِ الْبِحَارُ، فَكَيْفَ لِأَبْصَارِنَا أَوْ لِعُقُولِنَا اسْتِطَاعَةُ ذَلِكَ؟ غَيْرَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ظَهَرَ لَنَا مِنْ حَيْثُ نَحْنُ وَأَرَانَا مِنْ نَفْسِهِ مَا شَاءَ، وَآنَسَنَا بِحَسَبِ مَا اسْتَطَاعَتْ عُقُولُنَا وَمَا تَحَمَّلَتْهُ أَفْهَامُنَا، وَلَيْسَ لَنَا رَبٌّ غَيْرَ تِلْكَ الصُّورَةِ وَالشَّخْصِ الَّذِي نَظَرْنَا إِلَيْهِ وَعَرَفْنَاهُ ظَاهِراً مَوْجُوداً وَشَاهَدْنَاهُ يَقِيناً فِي كُلِّ الْمَقَامَاتِ وَسَمِعْنَا نُطْقَهُ عَلَى سَائِرِ الْمَنَابِرِ بِغَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا تَغَيُّرٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا أَبْصَارُنَا وَقُلُوبُنَا تَغَيَّرَتْ وَتَقَلَّبَتْ إِذْ كَانَتِ الْأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ بِيَدِهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَهُوَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ، وَهِيَ الْغَايَةُ الْكُلِّيَّةُ لَيْسَتْ كُلِّيَّةُ الْبَارِي وَلَا الْبَارِي غَيْرَهَا، هِيَ هُوَ إِثْبَاتاً وَإِيجَاداً وَيَقِيناً، لَا هُوَ هِيَ كُلّاً وَلَا جَمْعاً وَلَا إِحَاطَةً وَلَا إِحْصَاراً.
كَمَا قِيلَ فِي بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ: يَا مَنْ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ.
وَإِنَّهُ أَوْرَى الْعُيُونَ مِنْهُ مَا شَاءَ أَنْ يُرِيَهُمْ وَيُغَيِّرُ الْأَبْصَارَ فِي رُؤْيَتِهِ كَيْفَ يَشَاءُ.
الْمَقَالَةُ الْخَامِسَةُ:




