الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ:
قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ غَيْرُ مُشَاهَدٍ، فَقَدْ أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ(1).
فَهَذِهِ إِشَارَةٌ تَنْحَلُّ لَهَا الْأَجْسَادُ، وَتَذُوبُ لَهَا الْقُلُوبُ، لَا كَمَا يَظُنُّ الْجَاهِلُ وَيَخْبِطُ التَّائِهُ وَيَضِلُّ الْحَاسُّ إِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا تَحْوِيهَا هَذَا رَبِّي مُشَاهَدُهُ وَسَوْفَ أَشْرَحُ لَكَ فِي الْبَابِ السَّابِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَكَمَا عَمُوا فِي الْأُوَلِ عَنْ مَقَامَاتِ الظُّهُورِ وَالِامْتِحَانِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَفِي وَقْتِ الِاسْتِتَارِ وَالْغَيْبَةِ عَمًى أَضَلَّ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ سُلَيْمَانَ -عَزَّ عَزُّهُ- : ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾(2) وَتَأْوِيلُهُ فِي هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَيْ فِي قُلُوبِهِمْ غَلَطٌ وَإِشَارَتُهُمْ إِلَى هَذَيَانٍ وَتَخَبُّطُهُمْ فِي زُورٍ وَبُهْتَانٍ، وَعِنْدَ الْعَارِفِينَ وَالْمُرْتَفِعَةِ الْمُوَحِّدِينَ يَقُولُونَ: إشْهَدْ عَلَيْنَا بِعَقْدِ يَوْمِ الْغَدِيرِ أَيْ بِمَا رَأَيْنَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْغَدِيرِ وَسَمِعْنَا مِنْ نُطْقِهِ وَنِدَائِهِ عِيَاناً بَيَاناً يَقِيناً لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَهُوَ عَلَى سَائِرِ الْمَنَابِرِ وَالْخُطَبِ، وَفِي كُلِّ أَفْعَالِهِ فِي الْغَزَوَاتِ




