أَفْضَلُ الْمُبْطِلِينَ(1) أَمْ هَذَا الطِّفْلُ الَّذِي هُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ؟ بَلْ هَذَا أَعْلَمُ وَهَذَا الْمُعَطِّلُ مَا نَالَ غَيْرَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ مَوْلَانَا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ الْوَلَايَةَ وَالْبَرَاءَةَ فَإِنَّ أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْراً أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ.
فَتَأَمَّلْ أَيُّهَا الْوَلَدُ الشَّرِيفُ إِنَّ مَنْ يَسْعَى إِلَى وَلَدٍ لَهُ أَوْ أَخٍ أَوْ شَقِيقٍ وَيُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ بِغَيْرِ أَسَاسٍ لَهُ فِي عِلْمٍ مَحْصُولٍ لَهُ فِي الْمَعْرِفَةِ قَدْ جَاءَ بِخِلَافِ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهَ، كَيْفَ يَضِلُّ وَيَرْتَكِسُ؟ وَلَوْ تَرَكَهُ عَلَى حَالَتِهِ كَانَ أَصْلَحَ لَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ صَعُبَ مَدْخَلُهُ وَدَقَّ سِرُّهُ وَكُلُّ مَا يَظُنُّ الْمُقَصِّرُ هُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأُعَرِّفُكَ أَنَّ الْقَصْدَ بِهَذَا كَيْفَ سَبِيلُ الْمُبْطِلِينَ الْمُعَطِّلِينَ وَإِلْزَامُهُمْ أَنْفُسَهُمْ مَا لَا يَعْلَمُوهُ وَتَخَبُّطُهُمْ فِيمَا لَا يَعْرِفُوهُ وَإِطْلَاقُهُمْ فِيمَا لَا يَفْهَمُوهُ.
قَالَ مَوْلَانَا جَعْفَرٌ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي الْكِتَابِ الْمُعَظَّمِ كِتَابِ الصِّرَاطِ: يَا مُفَضَّلُ وَدِقَّةُ الصِّرَاطِ، هَلْ عَلِمْتَ مَا هِيَ؟ قُلْتُ: لَا يَا مَوْلَايَ إِلَّا بِفَضْلِكَ(2)؟ فَقَالَ: إِنَّ دِقَّتَهُ عَظِيمَةٌ وَصُعُوبَتَهُ أَعْظَمُ، وَكُلَّمَا عَظُمَ وَصَعُبَ دَقَّتْ مَعْرِفَتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وُصِفَ لَكَ شَخْصٌ بَشَرِيٌّ وَقَالَ لَكَ قَائِلٌ: هُوَ مَلَكٌ نُورَانِيٌّ، هَلْ يَدِقُّ عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَيَعْظُمُ عِنْدَكَ وَيَصْعُبُ عَلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: هُوَ كَذَلِكَ يَا مَوْلَايَ، قَالَ: فَإِذَا قِيلَ لَكَ إِنَّ شَخْصاً بَشَرِيّاً رَبٌّ خَالِقٌ أَيُّهُمَا يَكُونُ أَدَقَّ وَأَعْظَمَ مَعْرِفَةً عَلَى حَامِلِهِ هَذَا أَمِ الْأَوَّلُ؟ قُلْتُ: بَلَى هَذَا يَا مَوْلَايَ أَصْعَبُ وَأَعْظَمُ وَأَدَقُّ، فَقَالَ: وَإِنْ قِيلَ لَكَ: إِنَّ رَبّاً خَالِقاً رَازِقاً مُحْيِياً مُمِيتاً، لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْمَشِيئَةُ وَالتَّكْوِينُ هُوَ شَخْصٌ بَشَرِيٌّ عَاجِزٌ مَقْهُورٌ مُضْطَهَدٌ مَقْتُولٌ مَحْمُولٌ، أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ؟ فَقُلْتُ: يَا مَوْلَايَ ! هَذِهِ تَكُونُ أَدَقَّ وَأَعْظَمَ وَأَصْعَبَ عَلَى حَامِلِهَا وَقَالَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْحِ: وَكُلُّ ذَلِكَ لِيَتَّضِحَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ أَنَّ كُلَّ هَذَا اخْتِبَارٌ لِيُحِقَّ بِهِ الحَقَّ وَيَبْطُلَ بِهِ الْبَاطِلُ وَيُمَيَّزَ بِهِ بَيْنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ لِتَثْبُتَ الْحُجَّةُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الْحَقِّ بِالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ.




