مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 1015 من 1061

فَمَا كَانَ مَحْمُودًا فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، فَهُوَ سَكْرَانُ أَيْ مُسْتَغْنٍ عَنْ جَمِيعِ الْعُلُومِ الْخَارِجَةِ عَنْ التَّوْحِيدِ كَالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الشُّرْبَ وَلَا يَلْوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَأَمَّا السُّكْرُ الْمَذْمُومُ فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي صُورَتُهُ بَشَرِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ مُمْتَلِئَةٌ مِنْ عِلْمِ الضِّدِّ قَدْ تَمَكَّنَ فِيهِ، فَهُوَ لَا يَعَرِّجُ عَلَى مَا سُوَاهُ قَدْ اخْتَارَ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرَضِيَ بِسَجِينٍ عَلَى عِلِّيِّينْ، فَهُوَ فِي عَمَائِهِ وَضَلَالَتِهِ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ مُنْغَمِساً فِي أَوْسَاخِ هَذِهِ الدَّارِ الدَّنِيئَةِ، غَاوِياً فِي هَذِهِ الْهَيَاكِلِ الطِّينِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْقَعَتْنِي فِي قَعْرِ بَحْرِ الْهَوَى فِي لَجْجٍ تَحْرِقُ أَنْفَاسِي فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَاهُ، أَيْ أَوْقَعَتْنِي بِهَذِهِ الْهَيَاكِلِ الْبَشَرِيَّةِ اللَّحْمِيَّةِ كَمَا اسْتَحَقَقْتُ، لَا أَنَّكَ ظَلَمْتَنِي، ثُمَّ قَالَ: أَنَا غَرِيقٌ وَالْهَوَى قَاتِلِي يَا دُولَتِي عُودِي عَلَى الرَّاسِ فَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَرِيقٌ لا مُحَالَةَ، وَأَنَّ هَوَاهُ الْقَاتِلُ لَهُ وَتَأَلُّفَهُ فِي هَذِهِ الْأَجْسَامِ فَهُوَ فِيهَا مَسْجُونٌ، وَلَا يَرَى مُفَارَقَتَهَا إِلَّا كَرْهًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِلْفُ هَذَا الْهَوَى أَوْقَعَ فِي الْأَنْفُسِ

أَنَّ الْحِمَامَ مِنَ الْمَذَاقِ

يَقُولُ: إِلْفُ هَذِهِ الْأَنْفُسِ وَهَوَاهَا وَمَيْلُهَا إِلَى مَحَبَّةِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ التُّرَابِيَّةِ يُرِيهَا أَنَّ الْحِمَامَ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ مُرٌّ، فَلَوْلَا إِلْفُهَا الَّذِي قَدْ اتَّخِذَ بِهَا لَكَانَتْ تَرَى الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ النَّقْلَةُ أَنْفَعُ لَهَا، وَتَرَى ذَلِكَ حُلْواً لَا مُرَّاً، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَا دُولَتِي عُودِي

الصفحة 1015 من 1061