وَهَذَا فِي نَفْسِ حَقِيقَةِ مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا مِنْ وُجُودِ الْمَعْنَى عَلَى دَوَامِ دِيمُومِيَّتِهِ، وَلَقَدْ كَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَنْتَسِبُ إِلَى بَيْتِ السَّيِّدِ أَبِي شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ وَأَمَارَاتٌ تَخْرِقُ الْعُقُولَ وَتُذْهِلُهَا، وَكَذَلِكَ تِلْمِيذُهُ وَوَلَدُهُ أَبُو بَكْرٍ دَلَفُ بْنُ جَعفرٍ الشِّبْلِيُّ كَانَ رَجُلاً مَذْكُوراً وَشَيْخاً مَشْهُوراً بِالْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ، وَلَهُ مُقَطَّعَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الشَّعْرِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ مِنْ الشَّعْرِ رَمْزًا خَفِيّاً وَسِتْراً مَكْنِيّاً فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ وَعَظَ النَّاسَ بِمَسْجِدٍ جَامِعٍ الرَّمْلَةِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ ٤٣٢هِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَهُ مِنْ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَكَانَ مِمَّا حُفِظَ عَنْهُ وَأَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَسْقَيْتَنِي كَأْساً فَأَسْكَرْتْنِي | فَمِنْكَ سُكَّرِي لَا مِنُ الْكَاسِ | |
أَوْقَعَتْنِي فِي قَعْرِ بَحْرِ الْهَوَى | فِي لَجَجٍ تَحْرَقُ أَنْفَاسِي | |
فَتَارَةً يَقْذِفُنِي يَُّمهُ | وَتَارَةً أَحْبُّو عَلَى رَاسِي | |
أَنَا غَرِيقٌ وَالْهَوَى قَاتِلِي | يَا دُولْتِي عُودِي إِلَى الرَّاسِ |
قَوْلُهُ: اسْقِيْتَنِي كَأْساً فَأَسْكَرْتَنِي، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْقَدِيمِ الْأَزَلِ الَّذِي أَسْقَاهُ مَعْرِفَتَهُ عَلَى لِسَانِ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَكَأنَهُ جَعَلَ الْكَأْسَ مَقَامَ الَّذِي عَرَّفَهُ التَّوْحِيدَ، وَجَعَلَ الْخَمْرَةَ الَّتِي فِي الْكَأْسِ: الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مَا خَامَرَتْ قَلْبَ مُؤْمِنٍ وَظَمئَ بَعْدُ شُرْبِهَا إِلَى سِوَاهَا، وَالسُّكْرُ سُكْرَانُ، سُكْرٌ مَحْمُودٌ وَسُكْرٌ مَذْمُومٌ




