مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التجريد - الشيخ حاتم الجديلي الطوباني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 1000 من 1061

خِطَابِكَ، وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُنَا، وَذَهَلَتْ هِمَمُنَا، وَذَهَبَ عَنَّا مَا كُنًا أَعْدَدْنَاهُ مِنْ السُّؤَالِ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ مَعَدٍّ مِنْ عَدْنَانَ وَلَا مِنْ وَلَدَ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ مَنْ يَقْطَعُنَا بِحَجَّةٍ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا قَوْلاً، وَلَا يُنَبِّئُنَا بِشَيْءٍ لَا نَعْلَمُهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- : فَإِنِّي أَبْدَأوكَ بِأَوَّلِ مَسْأَلَةٍ أَضْمَرْتَهَا فِي سُوَيْدَاءَ قَلْبِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا غَيْرُكَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْهَا جَمِيعُ مَسَائِلِكَ، فَقَالَ الْحِمْيَرِيُّ: أَمْنَنْ بِهَا عَلَيَّ وَعَلَى قَوْمِي إِنْ شِئْتَ وَعَلَى جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ، فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- : أَضْمَرْتَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ مِيرَاثِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، فَقَالَ الْحِمْيَرِيُّ: هُوَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- : وَرِثْتُ مِنْهُ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ وَعِلْمَهُ وَفَرَسَهُ وَبَغْلَتَهُ وَحِمَارَهُ وَنَاقَتَهُ وَسَيْفَهُ وَدِرْعَهُ وَقَمِيصَهُ وَعِمَامَتَهُ وَبُرْدَتَهُ وَخَاتَمَهُ وَقَضِيبَهُ وَحُجْرَتَهُ وَفَدَكَ الْعَوَالِي وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ وَهُوَ خُمُسُ الدُّنْيَا، وَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى هَجَرَ، قَالَ الْحِمْيَرِيُّ: فَأَيْنَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هُوَ فِي هَذِهِ الْعَيْبَةِ يَا أَخَا حِمْيَرٍ، فَبُهَتِ الْحِمْيَرِيُّ هُوَ وَقَوْمُهُ وَجَمِيعُ مَنْ حَضَرَ مِنْ حَوْلِهِ مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- وَصُدُورِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكُلٌّ بُهِتَ يَنْظُرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَعُلَمَاءُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ حَيَارِى فَقَالَ الْحِمْيَرِيُّ: قَدْ قِيلَ لَنَا أَنَّ فِيكَ دُعَابَةً يَا مَوْلَانَا وَلَيْسَ هَذَا وَقْتُهَا؟، فَقَالَ لَهُ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- : وَإِنَّكَ لَتُعَظِّمُ ذَلِكَ يَا حِمِيرِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا مَوْلَانَا، لَا، فَقَالَ مَوْلَانَا الْأَعَزُّ الْأَعْظَمُ: يَا قِيسُ، افْتَحِ الْعَيْبَةَ فَفَتَحَهَا، فَأَوَّلُ شَيْءٍ ظَهَرَ مِنْهُ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ الْأَجَلُ بِهَيْئَتِهِ، وَاَللَّهِ مَا شَكَّ فِيهِ أَحَدٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا سَبَبٍ وَهُوَ يَشْهَدُ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَيُعْلِنُ لَهُ بِاللَّاهُوتِيَّةِ، وَيَومئُ إِلَيْهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَوَاَللَّهِ مَا خَلا شَيْءٌ مِمَّا كُنَّا نَعْهَدُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- مِنْ مَنْطِقِهِ وَلَا مِنْ مَوَاعِظِهِ وَحُكْمِهِ وَصُورَتِهِ، وَكُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَأَمْثَالِهِ وَكَلَامِهِ وَفَصْلَ خِطَابِهُ وَفَرَسِهِ السَّرْحَان وَنَاقَتِهِ الْعَضْبَاءَ وَبَغْلَتِهِ الدُّلُولِ وَحِمَارِهِ الْيَعْفُورِ، ثُمَّ أَخْرَجَ دِرْعَهُ الْفَاضِلَ وَعِمَامَتَهُ السَّحَابَ وَبِرْدَتَهُ وَخَاتَمَهُ وَقَضِيبِهُ وَسَيْفَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْ الْعَيْبَةِ وَاَللَّهِ فَدَكَ وَالْعَوَالِي بِنَخْلِهِ وَأَرْضِهِ وَجَمِيعِ أَرْضِ الْعَالِيَةِ كَامِلاً بِحَوْطِهِ وَحُدُودِهِ وَحِجَارَتِهِ وَمِحْرَابِهِ وَحُجْرَتِهِ وَصَنْعَاءَ وَهَجْرَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ الْبَرَارِي وَمَا تَضُمُّهُ وَتَحْوِيهِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ وَجَمِيعٍِ مَا دَقَ وَمَا حَلَّ بَيْنَ أَيْدِينَا نَرَاهُ عَيَانَاً وَلَا نَشُكُّ بِهِ شَيْئاً وَسَائِرَ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْخَرَابِ وَالْبُنْيَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالْمَوَاشِيَ وَالْبَيْدَاوَاتِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْكُورَاتِ وَالْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا، كُلُّ ذَلِكَ نَتَبَيَّنُهُ وَنُحَقِّقُهُ وَنُثْبِتُهُ شَيْئاً شَيْئاً، وَلَا نُنْكِرُ مِنْهُ شَيْئاً، وَلَا نَشُكُّ فِي شَيْءٍ، وَلَا نَرْتَابُ بِهِ، وَإِنَّهُ كُلَّهُ فِي صَحْفِ دَارِ جَامِعِ الْكُوفَةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ جُدْرَانِهِ، فَبُهِتَ الْحِمْيَرِيُّ وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ وَفَزِعْنَا فَزَعَاً عَظِيمَاً وَخَرَرْنَا سُجُوداً وَجَمِيعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعُلَمَائِهِمْ وَنُدَمَائِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ذَلِكَ وَهُمْ بُهُوتًا حَيَارَى سَاجِدٍینْ مَغْشِيّاً عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ الْحِمْيَرِيُّ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- : إِرْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ فَرَفَعَ النَّاسُ رُؤُوسَهُمْ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ رُوعَهُمْ وَعُقُولَهُمْ، فَقَالَ الْمَوْلَى -عَزَّ عَزُّهُ- : قَدْ بَقِيَ فِي سُؤَالِكَ يَا أَخَا حِمْيَرَ شَيْءٌ آخَرُ أَضْمَرْتَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ إِرَمِ ذَاتِ الْعِمَادِ أَيْنَ مُسْتَقَرُّهَا مِنْ الْأَرْضِ؟ وَهَا هِي يَا أَخَا حِمْيَرَ، يَا قَيْسُ: إِفْتَحْ شِرَاكَ الْعَيْبَةِ قَالَ قَيْسٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا إِرَمُ ذَاتِ الْعِمَادِ بِجَمِيعِِ أَوْصَافِهَا وَأَنْهَارِهَا وَقُصُورِهَا وَقَبَائِلِهَا وَكَثْبَانِهَا، وَجَمِيعِ مَانُعِتَ فِيهَا، قَالَ الْحِمْيَرِيُّ: هِيَ وَاَللَّهِ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ بِعَيْنِهَا لَاشَكَ فِيهَا وَلَا ارْتِيَابَ بِهَا هَذِهِ الَّتِي رَأَيْتُهَا هِيَ وَاَللَّهِ، وَلَقَدْ أَسْرَرْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهَا هَلْ عِنْدَكَ مِنْهَا عِلْمٌ؟ وَأَيْنَ هِيَ مِنْ الْأَرْضِ؟، وَأَنْ تَصِفَهَا لِي، فَلَيْسَ يُعْرَفُ وَصْفُهَا إِلَّا مَنْ دَخَلَهَا وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَحْضُرُهَا بِأَسْرِهَا حَتَّى نَرَاهَا وَيَرَاهَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ، فَغُيِّبَتْ عَنِّي الْمَسْأَلَةُ، فَابْتَدَأْتَنِي بِهَا فَقَالَتْ الْجَمَاعَةُ مِمَّنْ حَضَرَ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَأَهْلِ إِقْلِيمِ بَابِلَ وَقَالُوا: رَأَيْتَهَا يَا أَخَا حِمْيَرَ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ؟، قَالَ: نَعَمْ هُوَ ذَلِكَ، إِنَّهُ ضَلَّتْ لِي ضَالَّةٌ فِي اللَّيْلِ وَاقْتَفَيْتُ الْأَثَرَ وَاتَّبَعْتُ الصَّوْتَ، وَكُنْتُ بِبِلَادِ نَجْدٍ، فَطَالَتْ عَلَيَّ الْبَيْدَاءُ فَيَئِسْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ ضَالَّتِي، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اعْتَرَضَنِي وَادِيٍ فَخَرَجْتُ مِنْهُ، وَهَبَطْتُ إِلَى أَرْضٍ فَيْحَاءَ، فَإِذَا أَنَا بِبُنْيَانٍ يَلْمَعُ وَأَنْوَارٍ تَفُجُّ، وَإِذَا بِالْمَصَابِيحِ تَزْهَرُ وَأَطْيَارٌ تُصَفِّرُ وَتَغْرِّدُ، وَهَفِيفُ شَجَرٍ وَخَرِيرُ مِيَاهٍ، فَجَعَلْتُ أَسِيرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى رَوَائِحَ كَالْمِسْكِ الْأَزْفَرِ وَالطِّيبِ وَالْعَنْبَرِ فَأَخَذَتْ بِجَوَامِعِ قَلْبِي، فَلَمْ أَزَلْ أَسِيرُ حَتَّى وَرَدْتُ عَلَى بِنَاءٍ مِنْ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَهَا هُو بِحَضْرَتِكُمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ غُشِيَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَعْظَمَ مَا غُشِيَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ مِنْ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَسَائِرِ الطِّيبِ، حَتَّى لَقَدْ امْتَلَأَتْ خَيَاشِيمُنَا وَحُلُوقُنَا وَصُدُورُنَا،

الصفحة 1000 من 1061