فِي مَشَارِقِ أَنْوَارِ اليَقِينِ(1) مَا يَلِي: وَإِلَى هَذَا المَعْنَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- فِي خُطْبَتِهِ الطَّتَنْجِيَّةِ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ مَا فَوْقَ الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى وَمَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى - كُلُّ ذَلِكَ عِلْمُ إِحَاطَةٍ لَا عِلْمُ إِخْبَارٍ- وَلَوْ شِئْتُمْ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِآبَائِكُمْ أَيْنَ كَانُوا وَأَيْنَ صَارُوا اليَوْمَ، يُوَافِقُ مَا جَاءَ فِي الذِّكْرِ الحَكِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ﴾(2)، وَقَوْلُهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ: ﴿ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلْأَرْضِ﴾(3)، وَقَوْلُهُ تَعَالَتْ ذَاتُهُ: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ﴾(4) ، وَقَوْلُهُ عَظُمَتْ آلَاؤُهُ: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلَّا ٱللَّه﴾(5).
فِي الكِتَابِ المَذْكُورِ أَعْلَاهُ (6): "وَمَنْ أَنْكَرَ أَنَّ الإِمَامَ -عَزَّ عَزُّهُ- يَعْلَمُ الغَيْبَ أَنْكَرَ إِمَامَتَهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ إِمَامَتَهُ لَا يُبَالِي مَحْوَ المُحْكَمِ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ جَحْدَ نُبُوَّةِ الأَنْبِيَاءِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَٰهٌ فِي السَّمَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْلَمَ الوَلِيُّ أَهْلَ وِلَايَتِهِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَإِلَّا لَكَانَ عَالِمًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الوَلِيَّ هُوَ الإِنْسَانُ الكَامِلُ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَامِلًا وَنَاقِصًا؟ هَذَا خِلَافٌ"، فَاقْرَأْ أَيُّهَا الأَخُ وَتَبَصَّرْ زَادَكَ اللهُ بَصِيرَةً.
وَفِي الكِتَابِ الآنِفِ الذِّكْرِ(7): "فَمَنْ عَرَفَ أَسْرَارَ الحُرُوفِ عَرَفَ أَنَّ العَلِيَّ الحَكِيمَ وَالصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ وَمَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ هُوَ عَلِيُّ بِنْ أَبِي طَالِبٍ -عَزَّ عَزُّهُ- بِأَمْرِ رَبِّ العَالَمِينَ"، تَدَبَّرْ أَيُّهَا الأَخُ الكَرِيمُ مُطَابَقَةَ الصِّفَاتِ بَيْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- وَبَيْنَ رَبِّ العَالَمِينَ؛ إِذْ أَنَّ مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ عِنْدَ كَافَّةِ المُسْلِمِينَ هُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ.
وَفِي نَفْسِ الكِتَابِ(8): قَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- وَآلِهِ: يَا سَلْمَانُ وَيَا جُنْدُبُ إِنَّ مَعْرِفَتِي بِالنُّورَانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةَ اللهِ مَعْرِفَتِي، وَهُوَ الدِّينُ الخَالِصُ لِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾(9)، وَرَدَ هَذَا الحَدِيثُ فِي هَذَا الفَصْلِ مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ هُوَ بِحَارُ الأَنْوَارِ، فَأَعْجَبْ لِمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ.




