الجَاحِدِينَ المُنْكِرِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(1) وَقَالَ العَالِمُ لِلسَّائِلِ حِينَ سَأَلَهُ: مَا تَكْذِيبُ الرَّبِّ منْ تَصْدِيقِهِ؟ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ: إِنَّ الأَوْصِيَاءَ تَأْخُذُ عِلْمَهَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَمِثْلَ القَافِ يَأْخُذُ ضِيَاءَهُ مِنَ الشِّينِ، وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي بَاطِنِ الأَمْرِ وَلَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ إِنَّ مَنْ صَنَعَ صَنْعَةً بِمَعْرِفَتِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ تِلْكَ الصَّنْعَةِ مَعْرِفَةً كَيْفَ كَانَتْ وَإِلَى مَاذَا تَؤُولُ، وَلَيْسَ لِلأَعْلَى أَنْ يَلْتَمِسَ عِلْمًا مِنَ الأَدْنَى، فَكَذَلِكَ الإِسْمُ وَمَعْنَاهُ تَعَالَى عَنْ لَا إِلَهَ غيره وَلَا مَعْبُودَ سِوَاهُ، وَلَقَدْ أَظْهَرَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنَ التَّحجُّبِ وَالِاسْتِتَارِ مَا أَبْهَرَ الأَبْصَارَ وَحَيَّرَ الأَلْبَابَ وَالأَفْكَارَ، كَأَظْهَارِهِ الوِلَادَةَ وَالكِبَرَ وَالصِّغَرَ وَالأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَالفَاقَةَ وَالضَّعْفَ وَالغَلَبَةَ وَالأَمْرَاضَ وَمَا شَاكَلَهَا، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَإِنَّمَا الحَقِيقَةُ كَمَا رُوِيَ عَنِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- بِقَوْلِهِ: إِرَادَةِ المُرِيدِ تَعْلِيمَ العَبِيدِ وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَا ظَهَرَ اللهُ إِلَّا لِيُؤْخَذَ بِآدَابِهِ وَآثَارِهِ، وَقَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- لِلسَّائِلِ حِينَ سَأَلَهُ كَيْفَ صَارَتْ لِلرَّبِّ صُورَةٌ؟ فَقَالَ: لِحَاجَتِهِمْ لِلْكَلَامِ لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ إِلَّا مِنْ صُورَةٍ، وَكَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلِيَعْدِلَ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ كَمَا عَدَلَ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، كَوْنَ الجِنْسِ لَا يَفْهَمُ عَنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَبِذَلِكَ وَعَدَهُمْ فِي الدَّعْوَةِ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ: ﴿سَوْفَ يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
1سورة آل عمران – الآية 54




