الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ عَجَبًا، وَقَدْ شَرَحُوا أَنَّ يُوشَعَ كَانَ يَخْدُمُ مُوسَى لِيَأْخُذَ مِنْهُ العِلْمَ، وَقَالَ: لَا أَبْرَحُ، أَيْ لَا أَزَالُ أَسِيرُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وَهُمَا مُلْتَقَى بَحْرِ الرُّومِ وَبَحْرِ فَارِسَ مِمَّا يَلِي المَشْرِقَ أَيْ المَكَانَ المَوْعُودَ بِهِ، أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا، أَيْ دَهْرًا طَوِيلًا، فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا يُوشَعُ حَمَلَهُ عِنْدَ الرَّحِيلِ وَمُوسَى أَنْ يُذَكِّرَهُ بِهِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا وَالسَّرَبُ: الشَّقُّ الطَّوِيلُ الَّذِي لَا نَفَاذَ لَهُ.
فَهَذَا مَا رَوَتْهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَلَا حَاجَةَ لِاطِّلَاعِكُمْ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ وضعه فِي كُتُبِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ، جَعَلَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوا القَصْدَ وَيَهْتَدُوا إِلَى الرُّشْدِ، لِإِثْبَاتِهِمْ أَنَّ هَذَا هُوَ المُرَادُ غَيْرَ مُعْتَرِفِينَ بِرَدِّ عِلْمِهِ وَتَأْوِيلِهِ إِلَى اللهِ فَلِهِ الحَمْدُ إِذْ عَصَمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَقْوَامِ وَأَنْسَابِهَا، وَأَدْخَلَنَا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَعَرَّفَنَا الحَقِيقَةَ وَأَسْبَابَهَا، وَلِنَسْرِدَّ مَا وَعَيْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ مِنْ شَرْحِ هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ وَالمَعَانِي النَّبِيلَةِ.
وَهُوَ أَعْلَمُ عِلْمِكَ الخَيرِ: إِنَّ يُوشَعَ وَهُوَ المَعْنَى القَدِيمُ، وَمُوسَى وَهُوَ الِاسْمُ العَظِيمُ وَالحِجَابُ الكَرِيمُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَخْدُمُهُ لِيَلْتَمِسَ مِنْهُ عِلْمًا وَأَنَّهُ يَفْعَلُ بِأَمْرِهِ، كَذَلِكَ أَظْهَرَ فِي القُبَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا مَكْرًا وَتَلْبِيسًا عَلَى




