وَالزُّجَاجَةُ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ هُوَ النُّورُ البَادِي مِنَ الذَّاتِ الَّتِي لَا تَحِدُّ وَلَا تَعِدُّ وَلَا تُوصَفُ وَلَا تُضْرَبُ بِهَا الأَمْثَالُ وَلَا فِيهَا لِلْقَائِلِ مَقَالٌ، وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ قَوْلِهِ -عَزَّ عَزُّهُ- حِينَ سُئِلَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: إِنَّ النُّورَ البَادِي الوَاحِدَ الفَرْدَ الأَزَلَ لَمْ يَزَلْ وَاحِدًا لَا شَيْئًا غَيْرَهُ فَرْدًا لَا ثَانِي مَعَهُ مَعْلُومًا لَا مَجْهُولًا حَكَمًا لَا مُتَشَابِهًا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اِسْمُ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ، قَائِمٌ بِذَاتِهِ غَيْبٌ مُتَغَيِّبٌ قَيُّومٌ لَا فِي شَيْءٍ يَسْكُنُ وَلَا إِلَى شَيْءٍ آنِسٌ لَا إِلَى غَيْرِهِ وَقَتْ كَانَ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ وَقَتْ يَكُونُ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالٍ وَلَا هُوَ صُورَةٌ وَلَا شَبَحٌ وَلَا ظِلَالٌ وَلَا مَدْرُوكٌ وَلَا لِلْقَائِلِ فِيهِ مَقَالٌ فَلَقَدْ صَحَّتِ الدَّلَالَةُ بِهَذِهِ المَقَالَةِ أَنَّ اللَّهَ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ هُوَ النُّورُ المُشْرِقُ لِكَوْنِ العَوَالِمِ العَلَوِيَّةِ بِصِفَاتِهِمُ النُّورِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾(1) فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الاِسْمِ لِمَوْلَاهُ وَإِشَارَتِهِ لِمَعْنَاهُ تَلْوِيحًا عَلَى الذَّاتِ النُّورَانِيَّةِ وَالصُّورَةِ الظِّلِّيَّةِ أَنَّهُمَا حَقِيقَةُ الذَّاتِ الأَزَلِيَّةِ وَالصِّبْغَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ كَوْنُهُ لَا يُوجَدُ فِي الجَوَاهِرِ المَلَكُوتِيَّةِ أَجَلَّ وَأَبْهَى مِنْ هَذَا الوُجُودِ المُقَدَّسِ، وَلَا مَنْ يَظْهَرُ ذَاتُهُ كَيْفَ يَشَاءُ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ الوُجُودُ الظِّلِّيُّ الذَّاتِ الأَنْزَعِيَّةِ مَا شَاهَدَتِ العُيُونُ مَنْ أَحْيَا المَيِّتَ وَرَدَّ الشَّمْسَ وَشَقَّ القَمَرَ وَنَطَقَ بِالغَيْبِ غَيْرَهُ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ- ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، وَمِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الإِسْمُ الوَقُورُ بِحَدِيثِهِ المَأْثُورِ عَلَى حَقِيقَةِ الوُجُودِ وَالظُّهُورِ لِلْمَثَلِ المَنْظُورِ، قَوْلُهُ -عَزَّ عَزُّهُ- : أَوْضَعُوا عَلَى رُؤُوسِ المَآذِنِ وَالجَوَامِعِ صُورَةَ الهِلَالِ فَإِنَّهَا تَضَاهِي صُورَةَ العَلِيِّ المُتَعَالِ.
وَقَوْلُهُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ رَأَى القَمَرَ لَيْلَةَ تَمَامِهِ فَكَأَنَّمَا رَأَى رَبَّهُ، فَدَلَّ -عَزَّ عَزُّهُ- تَلْوِيحًا وَأَخْبَرَ عَنْهُ تَصْرِيحًا بِأَنَّهُ القَافُ القَدِيمُ وَالوُجُودُ العَمِيمُ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَمَثَّلُ بِغَيْرِهِ وَغَيْرُهُ يَتَمَثَّلُ بِسِوَاهُ، لِقَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- جَوَابًا لِلسَّائِلِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ فَهُوَ هُوَ)، وَقَالَ تَعَالَى تَصْدِيقًا لِإِسْمِهِ الأَعْظَمِ وَحِجَابِهِ الأَكْرَمِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾(2) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾(3)، وَقَالَ شَيْخُنَا -قَدَّسَهُ اللَّهُ- شِعْرًا وَهُوَ هَذَا:
نَرَاهُ نُوراً مِثْلاً أَبَداً | لَيْسَ بِذِي أُفْلٍ وَلَا كَسْفِ |
وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ: نُورًا لَا كَالأَنْوَارِ وَصِفَةً لَا كَالصِّفَاتِ وَجِسْمًا لَا كَالأَجْسَامِ وَآلَةً لَا كَالآلَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى مُشِيرًا عَلَى ذَاتِهِ القُدْسِيَّةِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ وإنَّّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(4)




