القَوْلَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعْبَةَ الحَرَّانِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِ العَالِمِ -عَزَّ عَزُّهُ- (أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَظْهَرَ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ، وَقَوْلُهُ (انْتَقَلَ بَعْدَ الإِرَادَةِ إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ) أَيْ أَنَّهُ ظَهَرَ لِخَلْقِهِ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ عَلَى مِثَالِ صُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ كَمَا أَرَادَ وَقَوْلُهُ (وَلَمْ يَنْتَقِلْ أَرَادَ بِهِ التَّنْزِيهَ عَنِ الِانْتِقَالِ)، وَقَوْلُهُ (إِنَّمَا انْتَقَلَ الجَوْهَرُ بِالصِّفَةِ) أَيْ يُورِي عِبَادَهُ ظُهُورَاتِهِ، وَانْتِقَالُهُ فِي سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ كَالنَّاظِرِ الَّذِي يَنْظُرُ فِي المَاءِ فَإِنَّهُ يَرَى صُورَةَ الكَوَاكِبِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الكَلَامَ لِنُبَرْهِنَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهِ تَعَالَى بِالظُّهُورِ القَاطِعِ وَالبُرْهَانِ السَّاطِعِ، دَفْعًا لِلظَّنِّ وَالِارْتِيَابِ وَتَقَلُّبِ الآرَاءِ وَالأَلْبَابِ.
وَكَمَا قِيلَ لَابُدَّ لِلْمَرْءِ مِنْ ثَلَاثٍ: حَاسِدٍ يَحْسِدُهُ، أَوْ رَاصِدٍ يَرْصُدُهُ، أَوْ بَاحِثٍ يَبْحَثُ عَنْ عُيُوبِهِ، فَإِذَا قِيلَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ الوُجُودِ لِعَالَمِ الشَّهُودِ بِحَقِيقَةِ المَعْبُودِ؟ أَقُولُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾(1)، فَلَقَدْ أَفْصَحَ عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وَمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الرُّبِ الجَلِيلِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- بِقَوْلِهِ لِلْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ: اِعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِي وُجُودِ مَوْلَاكَ وَظُهُورِهِ خَاصَّةً، اِعْلَمْ أَنَّ المِشْكَاةَ هِيَ الصُّورَةُ الأَنْزَعِيَّةُ، وَالمِصْبَاحُ هُوَ مَا بَطَنَ مِنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ




