المُتَوَهِّمِينَ، وَلَوْلَا أَنْ يُورِيَ ذَاتَهُ ذَاتَ أَدَوَاتٍ وَأَوْصَافٍ وَإِنَّ لَهُ آلَةَ الأَجْسَامِ وَالأَسْمَاءِ لَمَا ثَبَتَ وُجُودُهُ وَلَا صَحَّ عِيَانُهُ، وَكَانَ المَدْلُولُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ وَالمَطْلُوبُ سِوَاهُ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَظْهَرَ الأَشْيَاءَ وَتَجَلَّى لَهَا بِصِفَاتِهَا وَأَشْكَالِهَا عَدْلًا وَرَحْمَةً بِهَا لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، كَوْنَ الجِنْسِ لَا يَفْهَمُ عَنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، فَأَتَاهُمْ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ قَابِلِيَّتِهِمْ وَمَنَحَهُمْ اِسْتِطَاعَةً وَافِيَةً لِقَبُولِ مَا يَرِدُ مِنْهُ إِلَيْهِمْ لِتَتِمَّ لَهُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، وَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَلِنَدُلَّ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِهِ فِي الدَّارَيْنِ وَإِيجَادِهِ لِلنَّشْأَتَيْنِ بِمَا يَتَيَسَّرُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَيُوَافِقُ مِنَ الأَقُولِ، وَيَكُونُ بِحَوْلِهِ تَعَالَى مُطَابِقًا لِلِاعْتِقَادِ مُبَايِنًا لِلتَّخْمِينِ وَالفَسَادِ فَأَقُولُ وَاللَّهُ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ: إِنَّ اللَّهَ الأَزَلَ القَدِيمَ فِي حَقِيقَةِ ذَاتِهِ غَيْبٌ مُمْتَنِعٌ عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الأَبْصَارُ أَوْ تَكْيفُهُ الأَوْهَامُ وَالأَفْكَارُ، وَلَا يُعْرَفُ فِي بُطُونِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَلَا فِيهِ لِقَائِلٍ مَقَالٌ، وَلَا يُقَاسُ بِالأَشْكَالِ أَوْ تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ
وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَظْهَرَ التَّصْوِيرَ لِلْمُتَصَوِّرِينَ عِنْدَ إِيجَادِهِ الظُّهُورَ لِعَالَمِ البَشَرِ وَالنُّورِ، وَقَدْ يَجِلُّ عَنِ الحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَالتَّغْيِيرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، لِقَوْلِ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ اللَّهَ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَصَوَّرُ، وَإِنَّمَا التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ وَالتَّصْوِيرُ وَاقِعٌ فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، وَأَمَّا إِظْهَارُ التَّصْوِيرِ فَكَمَا قَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ بِالإِرَادَةِ المُحْدَثَةِ ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ الإِرَادَةِ إِلَى المَوْضِعِ الَّذِي أَرَادَ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الجَوْهَرُ بِالصِّفَةِ، وَقَدْ شَرَحَ هَذَا




