بِرُوحَانِيَّتِهِ عَالَمَ الُرُّوحَانِيِّيَنَ وَيُقَابِلُ بِجِسْمَانِيَّتِهِ عَالَمَ الجِسْمَانِيِّيَنَ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ وَيَكُونُ هُوَ كَهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ المُحْدَثَ الَّذِي كَانَ مِنْ نُورِ القَدِيمِ جَوْهَرٌ شَفَّافٌ أَظْهَرَ المُجَانَسَةَ وَالدَّلَالَةَ عَلَى القَدِيمِ، وَمِنْهُ نَطَقَتِ الُرُّسُلُ وَوَقَعَتِ الإِشَارَةُ عَلَى القَدِيمِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ وَمَعْدِنُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الوُجُودِ النُّورِيِّ لَا تَمْكُنُ الإِشَارَةُ إِلَى قَدِيمِ المِيمِ إِلَّا مِنَ الصُّورَةِ المُشْرِقَةِ المُضِيّةِ فِي الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ، وَإِلَى هَذِهِ الُرُّؤْيَةِ الَّتِي وُصِفَتْ بِالمُحْدَثِ الكَرِيمِ لِلِاسْمِ العَظِيمِ أَشَارَ الشَّابُّ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ مِنْ نُورِهِ نُورًا تَشَخَّصَ بِهِ، خَلَقَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ نُورِهِ، وَجَعَلَهُ مَقَامًا لِتَرَائِيهِ وَظُهُورِهِ، فَهُوَ بِهِ أَبَدًا يَظْهَرُ وَبِصِفَاتِهِ يَتَجَلَّى وَيَتَصَوَّرُ، وَكَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ المِيمَ كَيْفِيَّتُهُ مِنْ نَوْعَيْنِ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، فَأَمَّا مُحْدَثُهُ فَهُوَ الجَسَدُ وَمِنْهُ كَانَتِ الدَّلَالَاتُ وَظَهَرَتِ العَلَامَاتُ وَعُرِفَتِ المَقَامَاتُ، وَقَدِيمُهُ هُوَ النُّورُ الُمخْتَرَعُ مِنْ نُورِ ذَاتِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَحَدَّدُ وَلَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَإِلَى هَذَا المَعْنَى يُنْسَبُ النُّورُ الُمخْتَرَعُ الَّذِي هُوَ بَاطِنُ السَّيِّدِ الاِسْمِ الأَعْظَمِ بِأَنَّهُ لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَإِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِنُورِ الذَّاتِ، وَمِنْهُ كَانَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ وَلَا فَاصلٍ، وَهُوَ مَوْضِعُ نُعُوتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا تَمْكُنُ الإِشَارَةُ إِلَى رُوحِ المِيمِ إِلَّا بِالصُّورَةِ الَّتِي تُرَى بِالعِيَانِ وَتَظْهَرُ بِالمَكَانِ، وَلَيْسَ ظَاهِرُ المِيمِ وَبَاطِنُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ كَانَ كَافِرًا مَحْضًا وَقَالَ بِإِلَهَيْنِ اِثْنَيْنِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا بَاطِنُ المِيمِ لَا سَبِيلَ لِلنَّظَرِ




