المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ
عَنْ إِخْتِرَاعِ قَدِيمِ المِيمِ وَإِتِّحَادِهِ بِمُحْدَثِهِ مُذْ كُوِّنَ.
الجَوَابُ
إِعْلَمْ أَيَّدَكَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ الأَزَلِ القَدِيمَ العَلِيَّ العَظِيمَ كَانَ وَلَا مَكَانَ وَلَا دَهْرَ وَلَا زَمَانَ، ثُمَّ أَنهُ تَعَالَى شَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى أَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا وَيَتَعَرَّفَ لَهُ كَمَا قَالَ لِدَاوُودَ النَّبِيِّ -عَزَّ عَزُّهُ- : كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ خَلْقًا فَتَعَرَّفْتُ لَهُ، ثُمَّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ المَكَانَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ وَجَعَلَهُ يَحْوِي وَلَا يُحْوَى وَهُوَ الخَلْقُ الأَوَّلُ الَّذِي إِلَيْهِ المَرْجِعُ وَعَلَيْهِ المَعَوَّلُ حَرَّكَهُ مِنْ سُكُونِهِ وَأَبْدَاهُ مِنْ مَكْنُونِهِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مَوْجُودٍ وَلَا كَوْنٍ مَشْهُودٍ، أَبْدَاهُ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ وَجَعَلَهُ أَوَّلَ مُكَوَّنَاتِهِ وَأَنْحَلَهُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَكَانَتْ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ذَلِكَ النُّورُ المُحْدَثُ مِنَ القَدِيمِ وَإِلَيْهِ وَقَعَ التَّوَجُّهُ مِنَ الخَلْقِ، وَفُوِّضَتْ الإِرَادَةُ مِنَ الحَقِّ فَقَامَتْ بِمَقَامِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ وَالقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ لِلنُّورِالأَقْدَمِ وَالمَقَامِ الأَعْظَمِ فِي الحَرَكَةِ المُحْدَثَةِ بِإِيجَادِ الكَوْنَيْنِ الأَعْلَى وَالأَدْنَى تَنْزِيهًا لِلذَّاتِ عَنِ الفِعْلِ بِالآلَاتِ وَالإِتِّحَادِ بِالحَرَكَاتِ المُحْدَثَاتِ، وَبِهَا كَانَ مَا شَاءَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الكَافِ وَالنُّونِ، وَعَلَيْهَا وَقَعَتِ الإِشَارَةُ بِالتَّأَلُّهِ لِإِنْفِصَلِهَا مِنَ الأَنْوَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالصِّبْغَةِ الأَزَلِيَّةِ، فَمَنْ لَمْ يُفْرِدْهَا مِنَ الذَّاتِ وَيُنَزِّهْهَا عَنِ العِبَارَاتِ فَقَد جَعَلَ الفَتْقَ رَتْقًا وَالسُّكُونَ حَرَكَةً وَالفَصْلَ وَصْلًا




