فَتَعَالَتْ ذَاتُهُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ وَالأَبْعَاضِ، وَتَسَامَتْ أَزَلِيَّتُهُ عَنِ الحَثِيَّةِ وَالأَعْرَاضِ أَوْجَدَ الكَوْنَ وَالكِيَانَ، وَأَحَاطَ بِالسِّرِّ وَالإِعْلَانِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا تُؤْنِسُهُ الأَوَانِسُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الحَوَادِثُ، أَحْمَدُهُ مَعَ السُّكُونِ وَالحَرَكَاتِ وَأَسْتَعِينُهُ فِي النَّوَائِبِ وَالآفَاتِ، وَأَعْتَصِمُ بِهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالزَّلَّاتِ، وَأَسْأَلُهُ الرَّحْمَةَ وَالثَّبَاتَ فَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكِيلُ وَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى اِسْمِهِ الوَاحِدِ وَبَابِهِ الوَحْدَانِيِّ، وَعَلَى أَيْتَامِهِ الأَجْرَامِ المُضِيَّةِ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنْ جَوَاهِرِ المَلَكُوتِيَّةِ، صَلَاةً تُوصِلُنَا بِهِمْ بِالدَّوَامِ وَتُحِلُّنَا دَارَ المُقَامِ، وَالسَّلَامُ، آمِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: يَقُولُ العَبْدُ الوَهِينُ وَالعَاجِزُ المِسْكِينُ، إِنَّهُ لَمَا كَانَ عَامَ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَسِتِّينَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ الأَمِينِ، وَرَدَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ كَأَنَّهُ الدُّرُّ النَّظِيمُ مِنْ لَدُنِ القُطْبِ الأَمْجَدِ وَالإِمَامِ الأَوْحَدِ السَّيِّدِ الجَلِيلِ الشَّيْخِ مُحَمَّد أَحْمَدَ أَيَّدَهُ الفَرْدُ الصَّمَدُ، وَضَمَّنَهُ سَبْعَ مَسَائِلَ دِينِيَّةٍ وَمُرَادُهُ شَرْحُ ذَلِكَ بِصُورَةٍ مَرْضِيَّةٍ وَطَرِيقَةٍ جَلِيَّةٍ، وَقَدْ كَانَ أَيَّدَهُ اللهُ بِذَلِكَ أَوْلَى وَلِْبَيَانِه أَظْهَرَ وَأَجْلَى كَوْنِي لَسْتُ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالتَّسْطِيرِ وَذَوِي البَلَاغَةِ وَالتَّعْبِيرِ، وَلَكِنَّهُ أَيَّدَهُ اللهُ جَعَلَهَا مِنَّةً وَتَحْنَانًا وَتَذْكِرَةً وَإِحْسَانًا، وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(1)، وَلَمَّا لَمْ أَجِدْ لِي بُدًّا مِنْ اِمْتِثَالِ أَمْرِهِ وَإِجَابَةِ طَلَبِهِ بَادَرْتُ إِلَى ذَلِكَ حَسَبَ الفَهْمِ الكَلِيلِ وَالعِلْمِ القَلِيلِ طَلَبًا لِرِضَاهُ وَرَغْبَةً بِدُعَاهُ، لِقَوْلِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِذَا أَتَاكَ أَخُوكَ المُؤْمِنُ بِحَاجَةٍ فَبَادِرْ إِلَى قَضَائِهَا قَبْلَ اِسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا، وَقَالَ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ لَمْ يَمْشِ فِي حَاجَةِ وَلِيِّ اللهِ اِبْتُلِيَ بِالسَّعْيِ فِي حَاجَةِ عَدُوِّ اللهِ، وَلِذَلِكَ أَقْدَمْتُ عَلَى هَذَا العَمَلِ مَعَ الخَوْفِ وَالوَجَلِ لِمَا أَعْلَمُ مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ العَجْزِ وَالكَللِ وَالقُصُورِ وَالخَطَلِ، رَاجِيًا مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مِنَ الإِخْوَانِ الكِرَامِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالإِلْمَامِ، إِنْ رَأَى بِهَا شَيْئًا حَائِدًا عَنِ السَّرِ فَلْيُصْلِحْهُ، وَهُوَ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُ مِنَ اللهِ الأَجْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ومَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وماكنا للغيب حافظين﴾(2) وَاللهُ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَقَدْ وَسَمْتُهَا بِالمَطَالِعِ البَهِيَّةِ وَاليَنَابِيعِ السَّلْسَلِيَّةِ، وَالِاتِّكَالُ عَلَى بَارِي البَرِيَّةِ.




