كَمَا قَالَ فِي جَفْرِ الأَبْيَضِ: «مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَعْمَالِ الفَضَائِلِ فَلْتَكُنْ فَضِيلَتُهُ تَرْكُ الرَّذَائِلِ«، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾(1) وَهُوَ ظُهُورُ المَعْنَى كَصُورَةِ الِاسْمِ بِغَيْرِ زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ تَعَالَى اللهُ المُتَعَالِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ عَرَّفَ الِاسْمَ بِالِاسْمِ يَعْنِي المِيمَ، وَعَرَّفَ المِيمَ مِنَ الكَبِيرِ، وَعَرَّفَ العَالِمَ الكَبِيرَ مِنَ العَالِمِ الصَّغِيرِ مِنَ التَّلَامِيذِ، وَبَلَغَ المَادِّيَّةَ فِي عَالَمِ المَمْدُودِ، وَعَرَّفَ المُتَقَدِّمَ مِنَ المُتَأَخِّرِ، وَعَالَمَ الأَعْلَى مِنَ الأَدْنَى، وَأَفَدَ البَارِي وَنَزَّهَهُ بِذَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾(2)، وَعَلَّمَ بَاطِنَهُ مِنْ ظَاهِرِهِ وَظَاهِرَهُ مِنْ بَاطِنِهِ، وَعَلَّمَ أَنَّ الأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ أُقِيمَتْ وَجُعِلَتْ أَمَاكِنَ العُرْفِ لِلْعَارِفِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَنْ عَرَفَهُ وَالبَاطِنُ عَمَّنْ أَنْكَرَهُ، فَالعَارِفُ حَقَّقَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالسَّمَاءِ بِصِفَاتِهِ وَفِي الأَرْضِ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يُدَاخِلْهُ فِيهِ شَكٌّ وَلَا ارْتِيَابٌ، لِذَلِكَ كَمُلَتْ مَعْرِفَتُهُ وَبَلَغَ رُشْدَهُ وَاتَّبَعَ أَوَامِرَهُ وَحَذِرَ نَوَاهِيَهُ كَمَا قَالَ المُنْتَجَبُ فِي شِعْرِهِ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- :
فَكُنْ بِرَبِّكَ ذُو عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ | وَاتَّبِعْ أَوَامِرَهُ وَاحْذَرْ نَوَاهِيَهْ |
هَذَا مَا وَرَدَ إِلَيْنَا مِنْ ظُهُورِ البَارِي عَزَّ شَأْنُهُ فِي الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ وَالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ، وَمِنْ كِتَابِ اللهِ المُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ المُرْسَلِ، وَمِنْ كُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
وَقَدْ أَوْرَدْتُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ حَمْلُهُ عَلَيْكَ وَسَهُلَ نَقْلُهُ لَدَيْكَ، وَلَوْلَا خَوْفُ الإِطَالَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ وَالضَّجَرِ مِمَّنْ تَلَاهُ لَأَوْرَدْتُ بِهِ مِنَ الأَخْبَارِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلَكِنَّ أَفْضَلَ الكَلَامِ مَا قَلَّ وَجلَّ وَعَلَى مَعْرِفَةِ البَارِي دَلَّ وَلَا يَطُولُ فَيُمَلَّ وَلَا خَيْرَ فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ تُنْبِي عَنْهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ.




