مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رسالة الاعتراف في بلوغ الانصاف - خليل بن معروف النميلي

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 10 من 64

وَأَمَّا الظُّهُورُ بِصُورَتَيْنِ أَوْ صِفَتَيْنِ لِلْعَالَمِ العَلَوِيِّ وَالمَلَائِكَةِ الرُّوحَانِيِّينَ وَالعَالَمِ البَشَرِيِّ وَالأَجْسَامِ البَشَرِيَّةِ عَلَى هَيْئَاتِهِمْ، فَلِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا عَنْ جِنْسِهِ. كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا أَبُو شُعَيْبٍ -مِنْهُ السَّلَامُ- فِي عِيدِ التَّاسِعِ، قَالَ: «فَإِنَّ ظُهُورَهُ بِالصُّورَةِ المَرْئِيَّةِ لِلْمُتَجَسِّمِينَ جِسْماً بَشَرِيّاً، وَفِي بُطُونِهِ لِلْعَارِفِينَ نُوراً شَعْشَعَانِيّاً، وَهُوَ مَعْنًى كُلِّيّاً»، فَعَلِمْنَا أَنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ وَالبَشَرِيَّةَ هُمَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ غَيْرِ تَجَزُّؤٍ وَلَا انْفِصَالٍ، وَهِيَ مُمَدَّدَةٌ مِنَ الغَيْبِ المَنِيعِ الَّذِي مَا فِيهِ لِلْقَائِلِ مَقَالٌ وَلَا تُضْرَبُ بِهِ الأَمْثَالُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ أَيْ: لَوْلَا رَأْفَتُهُ بِالبَرِيَّةِ وَعَدْلُهُ فِي القَضِيَّةِ لَمَا كَانَ أَتَاهُمْ فِي الظُّهُورَيْنِ النُّورَانِيِّ وَالبَشَرِيِّ، لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾(1). تَفْسِيرُ ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو نَصْرٍ مَنْصُورٌ وَلَدُ سَيِّدِنَا الجِلِّيِّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي رِسَالَتِهِ "المُنْتَصِفَةِ فِي حَقِيقَةِ أَسْرَارِ المَعْرِفَةِ" وَكَانَتْ رِوَايَتُهُ فِيهَا عَنْ شَيْخِهِ الجِلِّيِّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- عَنِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ الخَصِيبِيِّ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- عَنْ رِجَالِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ المِشْكَاةَ هِيَ الصُّورَةُ الأَنْزَعِيَّةُ، وَالمِصْبَاحَ مَا بَطَنَ مِنَ الضِّيَاءِ، وَالزُّجَاجَةَ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ فَهُوَ النُّورُ البَادِي مِنَ الذَّاتِ الَّتِي لَا تُحَدُّ وَلَا تُوصَفُ»، فَقَدْ وَجَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ كَمَا قَالَ العَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : «أَنَّ الصُّورَةَ هِيَ المِشْكَاةُ وَالمِصْبَاحَ هُوَ بَاطِنُ الضِّيَاءِ وَهُوَ بَاطِنُ الصُّورَةِ، وَالزُّجَاجَةَ هِيَ نُورُ بَاطِنِ المِصْبَاحِ، وَالذَّاتَ الَّتِي لَا تُدْرَكُ وَلَا تُوصَفُ هِيَ بَاطِنُ النُّورِ».

وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ الذَّاتَ بِالإِجْمَاعِ مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ، وَالزُّجَاجَةَ نُورُهَا بِلَا مَحَالٍ، وَالزُّجَاجَةَ تُخْفِي مَا فِيهَا وَلَوْ أَنْ حَجَبَتْهُ، وَالمِصْبَاحَ هُوَ الضِّيَاءُ ضِيَاءُ النُّورِ وَالنُّورَ، فَلَا يُحَدُّ وَلَا يُدْرَكُ فِي نِهَايَتِهِ، لِأَنَّ الصُّورَةَ هِيَ جِنْسُ الضِّيَاءِ وَجِنْسَ الضِّيَاءِ نُورٌ، فَبِذَلِكَ قَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ المَذْكُورَةُ صُورَةً نُورَانِيَّةً لَا تُدْرَكُ بِأَعْيُنٍ بَشَرِيَّةٍ، وَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ العِيَانُ لِلنُّورِ، لِأَنَّ النَّظَرَ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ وَدُونَ المِصْبَاحِ وَدُونَ النُّورِ وَدُونَ الذَّاتِ.

وَمِمَّا رُوِيَ فِي "الرِّسَالَةِ المُفَضَّلِيَّةِ" عَنْ نَفْسِ هَذِهِ الآيَةِ بِعَيْنِهَا، وَالْجَوَابِ مِنْ قَوْلِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- أَنَّهُ قَالَ عَنِ المَوْلَى: «وَظُهُورِهِ بِالصُّورَةِ الأَنْزَعِيَّةِ وَالزُّجَاجَةِ الَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، وَالنُّورِ الَّذِي بَدَا مِن الذَّاتِ الَّذِي

الهوامش

1سورةالنور: الآية 35.
الصفحة 10 من 64