مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تذكرة العارفين وضياء المقصرين - صالح بن علي النميري

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 91 من 108

أَمَّا قَوْلُنَا إِنَّ هَذَا العَالَمَ كَانَ مِنَ الذَّرْوِ الأَوَّلِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾(1).

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾(2) .

إِعْلَمْ رَحِمَكَ الله: لَوْ كَانَ خِطَابُهُ مَاضِياً لَقَالَ: "جَاءَهُمْ يُوسُفُ بِالْبَيِّنَاتِ"، وَلَكِنْ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَوْجُودَةٌ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، فَقَدْ وَقَعَ هَذَا الخِطَابُ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾، فَمَا الَّذِي جَاءَ يُوسُفُ بِهِ غَيْرُ ظُهُورِهِ بِالبَشَرِيَّةِ كَمِثْلِهِمْ؟ وَقَدْ جَحَدُوا بِهِ وَشَكُّوا قَالُوا: إِنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، فَانْقَلَبُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، أَيْ مَسَخُوا، وَصَارَتْ وُجُوهُهُمْ أَدْبَارَهُمْ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ المَوْجُودَةَ هِيَ عَنِ النَّشْأَةِ الآدَمِيَّةِ البَاقِيَةِ إِلَّا مَنْ مَضَى مِنْهَا إِلَى النُّورِ وَسَكَنَ الجِنَانَ، أَوْ مِمَّنْ انْزَلَقَ مِنْهَا وَصَارَ حَيَوَاناً، أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّفْلِ المَقْلُوعَةِ عَيْنُهُ أَوْ المَقْطُوعَةِ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ يَكُونُ أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ أَعْمَى أَوْ فِيهِ عِلَّةٌ مِنَ العِلَلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلِمَاذَا يَحِلُّ بِهِ ذَلِكَ لَوْلَا حُدُوثُ ذَنْبٍ سَلَفَ مِنْهُ فَاسْتَوْجَبَ لَهُ العُقُوبَةَ، وَقَدِ اقْتَرَفَ هَذَا الذَّنْبَ قَبْلَ نَشْأَتِهِ هَذِهِ، لَوْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَكَانَ اللّٰهُ قَدْ ظَلَمَهُ، وَإِنَّ اللّٰهَ عَادِلٌ لَايَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾(3).

إِذاً فَكَيْفَ تَكُونُ حَالَةُ الطِّفْلِ المُصَابِ بِأَحَدِ أَعْضَائِهِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: لَا أَدْرِي.

قُلْتُ لَهُ: إِعْلَمْ أَنَّهَا مِنْ عَظْمِ ذَنْبِهِ المُكْتَسَبِ سَابِقاً بِقَمِيصٍ غَيْرِ هَذَا القَمِيصِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾(4).

وَشَاهِدُ القُرْآنِ أَكْبَرُ حُجَّةٍ وَأَوْضَحُ بَيَانٍ، وَقَدْ شَرَحَ هَذَا المَعْنَى الإِمَامُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- عِنْدَمَا سَأَلَهُ المُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ -مِنْهُ السَّلَامُ- بِقَوْلِهِ: «يَا مَوْلَايَ مَا لِي أَرَى مَقْطُوعَ اليَدِ وَالرِّجْلِ وَالأَخْرَسَ وَالأَصَمَّ وَالأَعْوَرَ وَالأَعْمَى وَسَيِّئَ الصُّورَةِ وَحَسَنَهَا، وَالطَّوِيلَ المَكْرُوهَ وَالقَصِيرَ المَمْقُوتَ؟

الهوامش

1سورةغافر: الآية 34.
2سورةآل عمران: الآية 144.
3سورةفصلت: الآية 46.
4سورةالشورى: الآية 30.
الصفحة 91 من 108