فَقَامَتْ لِوَقْتِهَا وَأَحْضَرَتْ خَارُوفاً بَعْدَ إِنْ ذَبَحَتْهُ وَطَهَتْهُ وَدَسَّتِ السَّمَّ بِذِرَاعَيْهِ، وَالرَّجُلَانِ يَشْهَدَانِ فِعْلَهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ ذَهَبَا إِلَى الرَّسُولِ لِدَعْوَاهُ إِلَى دَارِ اليَهُودِيَّةِ، فَأَتَى الرَّسُولُ مَعَهُمَا، وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الدَّارِ قَدَّمَتْ لَهُمُ الطَّعَامَ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ مِنَ المَائِدَةِ وَإِذَا بِذِرَاعِ الخَارُوفِ يَصِيحُ بِصَوْتٍ مُزْعِجٍ قَائِلاً:
يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّنِي مَسْمُومٌ فَلَا تَأْكُلْ مِنِّي، وَإِنَّ هَذِهِ المَرْأَةَ اليَهُودِيَّةَ سَمَّتْنِي بِأَمْرِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ذَلِكَ نَظَرَ إِلَى الرَّجُلَيْنِ بِعَيْنِ الغَضَبِ، فَأَطْرَقَا رَأْسَيْهِمَا خَجَلاً وَرُعْباً، عِنْدَهَا هَبَطَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ أَيْ: أَنَّهُمَا كَانَا يَجْلِسَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالِ الرَّسُولِ، وَمَعْنَى "عِزِينَ": مُسْتَهْتِرِينَ بِهِ وَبِنُبُوَّتِهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ لِلْمَرْأَةِ اليَهُودِيَّةِ: أَلَمْ أَنْهَكِ عَنْ مَكْرِهِمَا، وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَمَا الَّذِي حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ؟
قَالَتْ: أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِنْ كُنْتَ نَبِيّاً حَقّاً سَيُطْلِعُكَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِباً أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْكَ.




