أَمَّا أَنْتُمْ فَإِسْلَامُكُمْ مُحْدَثٌ بِعَهْدِ رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَإِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ كَانُوا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ وَالنِّيرَانَ، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ وَالكُتُبَ لِأَخْذِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَكُلَّمَا ظَهَرَ رَسُولٌ يَظْهَرُ وَصِيُّهُ مَعَهُ، فَيُوحِي الرَّسُولُ إِلَى قَوْمِهِ بِطَاعَتِهِ وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِ أَوْ مُعَادَاتِهِ، وَبَعْدَ أَنْ يَمْضِي الرَّسُولُ يُخَالِفُونَ وَصِيَّهُ وَيُحَرِّفُونَ الكِتَابَ، كَمَا قَالَ: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(1)، وَقَالَ أَيْضاً: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(2)، فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ: فَإِسْلَامُهُمْ وَجَاهِيّاً، خَوْفاً مِنْ سَيْفِ الإِمَامِ، وَأَمَّا كُفْرُهُمْ آَخِرَ النَّهَارِ: هُوَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ عِبَادَةِ أَصْنَامِهِمْ.
وَقَالَ أَيْضاً: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾(3)، وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾(4)، فَأَنْتُمْ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارَى أُورِثْتُمُ الكِتَابَ، وَقَالَ فِي حَقِّكُمْ مَا قَالَ.
مَا قَالَ تَعَالى ِفي حَقِّ العَلَويِيِّن
أَمَّا نَحْنُ: فَإِسْلَامُنَا قَدِيمٌ، وَقَالَ فِي حَقِّنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾(5)، أُنْظُرْ كَيْفَ نَبَّهَنَا بِأَنْ لَا نُطِيعَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى لَا نَرُدَّ كَافِرِينَ بَعْدَ إِيمَانِنَا، وَقَدْ ذَكَرَنَا فِي سُورَةِ القَصَصِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾(6).
فَاعْلَمْ يَا أَخِي: نَحْنُ الَّذِينَ أُوتِينَا كِتَابَ الشَّرِيعَةِ وَكُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ -عَزَّ عَزُّهُ- ، أَيْ مِنْ عَهْدِ آَدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَقَدْ شَهِدَ لَنَا القُرْآَنُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾(7).




