مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تذكرة العارفين وضياء المقصرين - صالح بن علي النميري

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 78 من 108

لمِاَذَا لَم يُظهِرْ ذَاتَهُ لِكَافَةِ البَشَرِ

قَالَ السُّنِّيُّ: إِنِّي أَشْهَدُ بِأَنَّ كَلَامَكَ حَقٌّ، وَمَا دُونَهُ البَاطِلُ، لِأَنَّ كَلَامَكَ مَرْبُوطٌ بِالشَّوَاهِدِ العَقْلِيَّةِ، وَمُؤَيَّدٌ بِأَسَانِيدِ النَّقْلِ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُكَ: لِمَاذَا لَمْ يَظْهَرُ ذَاتَهُ لِكَافَّةِ البَشَرِ كَيْ يَعْبُدُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ؟

قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الكَافِرِينَ إِذَا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يَعْبُدُوهُ، وَأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ ذِكْرَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ، وَذَلِكَ لِنَجَاسَةِ مَعْرِفَتِهِمْ وَخَبَثِ ظُلْمَانِيَّتِهِمْ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْدَاهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ الشَّكِّ وَالجَهْلِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى نُورٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللّٰهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض﴾(1)، وَالظُّلْمَةُ ضِدَّ النُّورِ، وَالضِدَّانِ لَا يَأْتَلِفَانِ، لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُحِبُّونَ الله وَلَا يُطِيعُونَهُ، وَيَكْرَهُونَ عَبِيدَهُ المُؤْمِنِينَ، وَهَذَا الكُرْهُ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ عِنْدَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ وَالكَافِرُونَ أَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكَانَ إِبْلِيسُ وَقَوْمُهُ يَتَكَبَّرُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ كَتَكَبُّرِهِمْ فِي وَقْتِنَا هَذَا. وَقَدْ سُمِّيَ المُؤْمِنِينَ المَلَائِكَةَ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا عِلْمَ اللهِ، وَكَانُوا أَنْوَاراً، وَالكَافِرِينَ ظَلَاماً.

ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى طَرَدَ إِبْلِيسَ وَقَوْمَهُ لِتَكَبُّرِهِمْ عَلَى المُؤْمِنِينَ، كَمَا أَهْبَطَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَهُمْ لِذَنْبٍ أَسْلَفُوهُ، وَأَلْبَسَ الجَمِيعَ أَجْسَاداً بَشَرِيَّةً، ثُمَّ مَزَجَهُمْ بِبَعْضِهِمْ، وَقَدْ خَاطَبَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ هُبُوطِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(2).

فَالهُدَى الَّذِي أَتَى مِنَ اللهِ: هُوَ ظُهُورُهُ لِلْبَشَرِ، وَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَفَهُ وَآَمَنَ بِهِ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِ وَلَا يَحْزَنُ، وَلَوْ أَنَّ كَلَامَهُ عَنِ الهُبُوطِ لآدَمَ وَحَوَّاء لَكَانَ قَدْ قَالَ: "اهْبِطَا يَا آَدَمُ أَنْتَ وَزَوْجُكَ"، وَلَكِنْ خِطَابُهُ وَاقِعٌ عَلَى جَمٍّ غَفِيرٍ، يَعْنِي عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ، وَقَدْ بَيَّنَ هُبُوطَهُمْ بِسُورَةِ الأَعْرَافِ قَالَ: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾(3).

العَدَاوَةُ بَينَ الُمؤمِنِينَ وَالكَافِرِين

وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ آَدَمَ وَحَوَّاء لَا يُعَادُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضاً، وَلَكِنَّ العَدَاوَةَ وَاقِعَةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ لِاخْتِلَافِ مَعَادِنِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُونَ تَكَوَّنَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنَ النُّورِ، وَالكَافِرُونَ تَكَوَّنَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ ظُلْمَةِ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ فَلِبُغْضِهِمُ الله وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِضَرْبِهِمْ لَهُمْ: يَرُدُّهُمُ اللهُ إِلَى المَسُوَخِيَّةِ مُكِبِّينَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(4)، وَإِنَّ الكَافِرَ لَا يُمْسَخُ حَتَّى يُنْكِرَ اللَه وَحَقَّهُ وَيَتَّبِعَ إِبْلِيسَ وَأَبَاطِيلَهُ، وَالمُؤْمِنَ لَا يَصْفَا حَتَّى يُقِيمَ الحَقَّ وَيُنْكِرَ البَاطِلَ، وَيَفْعَلَ الخَيْرَ أَهْلُهُ، عِنْدَ ذَلِكَ تَنْفَصِلُ الطِّينَتَانِ اللَّتَانِ تَجْمَعُهُمَا الصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ، وَالَّتِي نَعْبُدُ اللّٰهَ بِهَا.

وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى انْفِصَالَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾(5) وَقَالَ: ﴿إِنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(6).

وَالمِيقَاتُ: هُوَ مَا أُوقِّتَ مِنْ صَفَاءِ المُؤْمِنِينَ إِلَى النَّورَانِيَّةِ فَيَصِيرُ نَجْماً. وَالكَافِرُ إِلَى المَسُوَخِيَّةِ فَيَصِيرُ حَيَوَاناً، وَهِيَ الظُّلُمَاتُ الَّتِي هِيَ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ جَزَاءً لِبُغْضِهِمْ لِأَوْلِيَاءِ اللهِ وَإِنْكَارِهِمْ لَهُ، وَقَدْ جَعَلُوهُ مِثْلَهُمْ وَوَصَفُوهُ، وَوَصَفُوهُ بِالأَوْلَادِ وَالأَزْوَاجِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً﴾(7)، فَأَظْهَرَ اللهُ لَهُمْ نَفْسَهُ بِأَنَّ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَزْوَاجٌ، كَمَا أَظْهَرَ لَهُمْ عِيسَى

الهوامش

1سورةالنور: الآية 35.
2سورةالبقرة: الآية 38.
3سورةالأعراف: الآية 24.
4سورةالملك: الآية 22.
5سورةالنبأ: الآية 17.
6سورةالدخان: الآية 40.
7سورةمريم: الآية 88 / سورة الأنبياء: الآية 26.
الصفحة 78 من 108