أَبْصَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَجْمَعِينَ، وَلَمَّا كَانَ عِنْدَهُمُ اسْتِطَاعَةٌ عَلَى مُقَابَلَتِكَ، وَإِنَّكَ مَتَى قَابَلْتَ أَهْلَ النَّورِ يَعُودُ ضِيَاؤُهُ كَمَا كَانَ أَوَّلاً، وَإِنَّ عَالَمَ البَشَرِ لَا يَرَوْنَ بِهِ نُوراً، وَذَلِكَ رِفْقاً بِهِمْ لِعَجْزِهِمْ وَضَعْفِ أَبْصَارِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾(1)، فَهَذَا حُكْمٌ ذَلِكَ، فَلَا تَغْتَمَّ يَا رَسُولَ الله، وَلَكِنْ أَعْطِنِي هَدِيَّتِي الَّتِي أَتَيْتَ بِهَا مِنْ عِنْدِ الله.
فَمَدَّ النَّبِيُّ يَدَهُ وَنَاوَلَهُ نِصْفَ التُّفَّاحَةِ، فَنَظَرَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِيهَا، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى جَيْبِهِ وَأَخْرَجَ مِنْهَا نِصْفَ التُّفَّاحَةِ الثَّانِي وَأَلْقَاهَا عَلَى النِّصْفِ الأَوَّلِ وَقَالَ لَهُ: أَهَذَا هُوَ النِّصْفُ الَّذِي كَانَ مَعَ رَبِّكَ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ إِلَيْهَا وَقَالَ: وَعِزَّةِ مَوْلَايَ، هَذَا هُوَ، فَمِنْ أَيْنِ لَكَ هَذَا يَا عَلِيُّ؟
فَقَالَ عَلِيٌّ: يَقُولُ رَبُّكَ يَا رَسُولَ الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾(2)، فَقَدْ جَمَعَ الإِمَامُ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ بِعِلْمِ الإِمَامِ، حَتَّى لَوْ اخْتَلَجَ جَنَاحُ بَعُوضَةٍ يَكُونُ بِعِلْمِ الإِمَامِ.




