ذَلِكَ قَوْلُ الرَّسُولِ -عَزَّ عَزُّهُ- : إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ السُّجُودَ لآدَمَ لَا يَفْقَهُ مَعَانِيهِ إِلَّا القَلِيلُ.
لِمِاذِا لَمْ يَظْهَرْ مُحَمّدٌ بِالنُّورِ لِعَالَمِ البَشَرِ؟
قَالَ السُّنِّيُّ: نَعَمْ كَلَامُكَ مُوَافِقٌ لِلْعَقْلِ، وَمُطَابِقٌ لِلنَّقْلِ، لَكِنَّ مُحَمَّداً كَمَا قُلْتَ خُلِقَ مِنْ نُورِ اللهِ، فَلِمَاذَا لَمْ يَظْهَرْ بِالنُّورِ لِعَالَمِ البَشَرِ؟
قُلْتُ لَهُ: إِعْلَمْ أَنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدٌ ظَهَرَ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ لُطْفاً بِهِمْ وَرَأْفَةً عَلَيْهِمْ، لِيَأْنَسُوا بِهِ وَيُخَاطِبُوهُ، وَلَوْ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُمْ بِهَيْئَةِ النُّورِ لَمَا اسْتَطَاعُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ، وَلَا تَحَقَّقُوا مِنْهُ، وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ الأَنْصَارِيُّ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي كِتَابِ "العِبَادَةِ" يَسْنِدُ الحَدِيثَ إِلَى صُبْحِي بْنِ بَدْرٍ مَرْفُوعاً إِلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ جَابِرٌ: كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، وَكَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- وَبَنِي هَاشِمٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ جَالِسِينَ عِنْدَهُ، وَإِذْ جِبْرِيلُ يَهْبِطُ وَمَعَهُ بُرَاقٌ كَرِيمٌ.
فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَخُصُّكَ بِالتَّحِيَّةِ وَالإِكْرَامِ، وَإِنَّهُ يَدْعُوكَ إِلَيْهِ لِتَعْرُجَ عَلَى هَذَا البُرَاقِ حَتَّى يُبَيِّنَ فَضْلَكَ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَذَلِكَ هَدِيَّةٌ يَهْدِيهَا لَكَ يَا رَسُولَ الله.




