نَشأَةُ هَذَا العَالَم
فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ نَشْأَةِ هَذَا العَالَمِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ؟ وَكَيْفَ كَانَ تَكْوِينُهُ؟ وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ تَكُونُ؟
قَالَ السُّنِّيُّ: إِعْلَمْ أَنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ خَلَقَ لَهُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِهِ الأَيْسَرِ وَزَوَّجَهُ بِهَا، فَكَانَ مِنْهَا وُجُودُ هَذَا العَالَمِ كُلِّهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ كَفَرْتَ أَيُّهَا المُجِيبُ، وَنَسَبْتَ الله إِلَى العَجْزِ وَارْتِكَابِ الحَرَامِ.
قَالَ: بِمَاذَا أَيُّهَا السَّائِلُ اللَّبِيبُ؟
قُلْتُ: إِعْقِلْ كَلَامَكَ، أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ قَادِرٌ غَيْرُ عَاجِزٍ، وَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَقَادِرٌ عَلَى خَلْقِ هَذَا العَالَمِ كُلِّهِ؟ وَأَنْتَ تَقُولُ خَلَقَ لَهُ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِهِ الأَيْسَرِ وَزَوَّجَهُ بِهَا فَكَانَ وُجُودُ هَذَا العَالَمِ، عَلَى رَأْيِكَ إِنَّ الأَخَ يَأْخُذُ أُخْتَهُ، كَمَا أَنَّكَ نَسَبْتَ اللّٰهَ لِلْعَجْزِ وَاقْتِرَافِ الحَرَامِ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ أَوْ ابْنَةَ أَخِيهِ، أَوْ يَأْخُذَ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ؟
قَالَ السُّنِّيُّ: لَا يَجُوزُ، وَهَذَا هُوَ الحَرَامُ.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ إِنَّ الله خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ ثُمَّ زَوَّجَهُ بِهَا؟ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ هَكَذَا وَجَدْنَا فِي الأَسْفَارِ.
فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ لِذَلِكَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَتَزْوِيجُ آدَمَ بِحَوَّاءَ لَا يَعْلَمُهُ عَامَّةُ النَّاسِ، وَسَأَذْكُرُ لَكَ طَرَفاً إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، إِعْلَمْ أَنْ مَعْنَى القَوْلِ بِلَفْظِ آدَمَ ظَاهِراً يَعْنِي طِينَتَهُ الَّتِي هِيَ المَاءُ وَالتُّرَابُ، وَالمَاءُ وَالتُّرَابُ بِلَفْظِ العَرَبِ يُقَالُ لَهُمَا أَدِيمٌ، لِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ ابْنُ آدَمَ، أَيْ أَنَّهُ مِنَ التُّرَابِ وَالمَاءِ، لِأَنَّ الإِنْسَانَ بَدَأَ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالنُّطْفَةُ مِنَ الغِذَاءِ، وَالغِذَاءُ مِنَ النَّبَاتِ، وَالنَّبَاتُ مِنَ التُّرَابِ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(1)، فَهَذَا حُكْمُهَا ظَاهِراً.
أَمَّا بَاطِناً: لَفْظَةُ آدَمَ تَقْسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: آدَمُ مَحْمُودٌ، وَآدَمُ مَذْمُومٌ وَآدَمُ مُهْمَلٌ.
فَآدَمُ المَحْمُودُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَقَدْ سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ أَدَامَ ظُهُوراً لَهُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَدَامَ المُؤْمِنِينَ عَلَى وِلَايَةِ عَلِيٍّ -عَزَّ
عَزُّهُ- وَمَعْرِفَتِهِ، أَمَّا حَوَّاءُ: فَهِيَ جِبْرِيلُ -مِنْهُ السَّلَامُ- ، وَسُمِّيَ بِهَذَا الإِسْمِ لِأَنَّهُ حَوَى العِلْمَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- ، كَمَا أَنَّهُ حَوَى الوَحْيَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَسُمِّيَ زَوْجَ آدَمَ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مَعَهُ فِي كُلِّ قُبَّةٍ وَظُهُورٍ، وَأَمَّا نِسَاءُ أَهْلِ البَيْتِ اللَّوَاتِي ظَهَرْنَ بِالتَّأْنِيثِ كَفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَخَدِيجَةَ وَرُقَيَّةَ وَأُمِّ كَلْثُومٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَخِلَافَهُنَّ: فَهُنَّ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ، وَظُهُورُهُنَّ بِالتَّأْنِيثِ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ وَمَكْراً وَتَلْبِيساً عَلَى حِزْبِ إِبْلِيسَ، وَقَدْ ذَكَرَهُنَّ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾(2)، أَيْ أَنَّ الله تَعَالَى سَيَسْأَلُ الكَافِرِينَ عَمَّا صَنَعُوا بِآلِ بَيْتِ اللهِ، وَالمُؤْمِنِينَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.
آدَمُ المَذْمُومُ: فَهُوَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ الله، وَسُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ وَحِزْبَهُ إِلَى الكُفْرِ وَالفُسُوقِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لآدَمَ وَلَمْ يُطِعْ أَوَامِرَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾(3).
آدَمُ المُهْمَلُ: فَهُوَ هَذَا العَالَمُ المَنْكُوسُ، وَهُوَ آدَمُ الخَاطِىءُ، وَهُوَ آدَمُ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَالأَكْلُ هَاهُنَا وِلَايَةُ الأَضْدَادِ.




