مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تذكرة العارفين وضياء المقصرين - صالح بن علي النميري

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 37 من 108

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(1)، وَلَتَعْلَمُوا صِدْقَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ.

ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَتَبِعَهُ بَنِي هَاشِمٍ، وَسَادَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لِمَ سَلَّمْتَ الخِلَافَةَ وَأَنْتَ أَهْلُهَا وَقَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُمْ؟

فَقَالَ لَهُمْ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾(2)، هَلْ نَسِيتُمْ مَا قَالَهُ ابْنُ عَمِّي مُحَمَّدٌ فِي غَدِيرِ خُمٍّ حِينَ قَالَ لَكُمْ: إِنَّ أُنَاساً مِنْكُمْ يَعْرِفُونَهَا اليَوْمَ وَيُنْكِرُونَهَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ؟ أَمَا كُنْتُ عَارِفاً بِأَفْعَالِكُمْ وَبِأَفْعَالِهِمْ وَنُكْرَانِهِمْ؟ بَلَى وَاللهِ، وَكَيْفَ لَا وَهُوَ مَهْبِطُ الوَحْيِ، وَالمَلَائِكَةُ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لِلهِِ إِرَادَةٌ وَمَشِيئَةٌ فِي خَلْقِهِ، وَلَهُ الحُجَّةُ عَلَى الكَافِرِينَ المُنْكِرِينَ، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(3).

ثُمَّ لَمَّا وَصَلَ إِلَى دَارِهِ وَقَدْ تَرَكَهُ القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ: انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَبَعْدَ أَنْ رَاقَتِ الخِلَافَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، قَامَ وَبِصُحْبَتِهِ عُمَرُ وَقُنْفُذٌ وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَتَوْا إِلَى عِنْدِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَلَمَّا قَرَعُوا البَابَ وَأَذِنَ لَهُمْ بِلَالٌ بِالدُّخُولِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ -عَزَّ عَزُّهَا- وَقَالُوا لَهَا: اجْعَلِينَا فِي حِلٍّ مِمَّا جَرَى لَكِ مِنَّا، وَأَخَذُوا يُبَاسِطُونَهَا بِالكَلَامِ وَيَنْظُرُونَ إِلَى حُسْنِهَا وَجَمَالِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: وَيْلَكُمْ، أَمَا سَمِعْتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ أَبِي رَسُولُ اللهِ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي، وَمَنْ أَغْضَبَنِي أَغْضَبَ اللهَ، وَمَنْ أَغْضَبَ الله فَقَدْ أَكَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ؟ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي غَاضِبَةٌ وَسَاخِطَةٌ عَلَيْكُمْ لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ الأَحْوَالَ الَّتِي أَجْرَيْتُمُوهَا بَعْدَ غَيْبَةٍ وَقَصَدْتُمُ الخِلَافَةَ وَهُوَ مَلْقِيٌ بَيْنَنَا، وَنَحْنُ فِي عَزَاءٍ وَبَلَاءٍ أَلِيمٍ لِفَقْدِهِ وَاهْتِمَامِنَا بِهِ، فَلَا المَجُوسُ وَلَا اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى فَعَلُوا بِأَفْعَالِكُمْ، وَلَا تَجَاسَرُوا عَلَى أَعْمَالِكُمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ لَمَّا دَخَلْتُمْ دَارَنَا وَأَرَدْتُمْ حَرْقَنَا، وَفَعَلْتُمْ كُلَّ قَبِيحٍ، فَهَلْ تَرَوْنَ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وِزْراً، فَلَا عُدْتُمْ تَرَوْنِي وُجُوهَكُمْ مِنَ الآنَ.

ثُمَّ إِنَّهَا أَعْرَضَتْ عَنْهُمْ وَهِيَ مُغْضَبَةٌ، وَعَلَيْهِمْ دَاعِيَةٌ، عِنْدَ ذَلِكَ تَرَكُوا البَيْتَ وَذَهَبُوا وَهُمْ بِغَيْظِهِمْ يَتَأَلَّمُونَ مِنْ كَلَامِهَا.

فَهَذَا كَانَ السَّبَبُ إِعْطَاءُ أَصْحَابِكَ الخِلَافَةَ لِعَلِيٍّ مِنْ قَبْلِ رَسُولِ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- وَقَدْ صَنَعَ أَصْحَابُكَ مَا صَنَعُوا بَعْدَ غَيْبَةِ رَسُولِ الله -عَزَّ عَزُّهُ- ِ بِأَهْلِ بَيْتِهِ. فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ رَسُولُ اللهِ رَاضِياً بِإِهَانَةِ ابْنَتِهِ وَوَلَدَيْهَا، وَاغْتِصَابِ الخِلَافَةِ مِنْ بَعْلِهَا بَعْدَمَا أَوْصَى لَهُ فِيهَا؟

الهوامش

1سورةالشعراء: الآية 227.
2سورةالبقرة: الآية 27.
3سورةالأنفال: الآية 42.
الصفحة 37 من 108