ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالنُّعْمَانُ وَابْنُهُ بِشْرٌ لِيُبَايِعُوا أَبَا بَكْرٍ، وَلَمَّا أَقْبَلَتِ الأُولَى لِتُبَايِعَ كَمَا فَعَلَ سَيِّدُهَا النُّعْمَانُ قَدْ أَتَتْ بَيْعَتُهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ بِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الخَزْرَجَ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ بَايَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَضَ البَيْعَةَ، وَبَقِيَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَمْ يُبَايِعْ، وَقَدْ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَمِنَّا الأُمَرَاءُ وَمِنْكُمُ الوُزَرَاءُ، وَنَحْنُ وَإِيَّاكُمْ بِهَذَا الأَمْرِ سَوَاءٌ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ بِالأَمْسِ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، فَمَا لَنَا اليَوْمَ لَا نَكُونُ؟
فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: لَوْ كُنْتَ مَوْضِعاً لِلخِلَافَةِ لَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ، وَقَدْ خَالَفْتُمْ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ، وَشَقَقْتُمْ عَصَى الطَّاعَةِ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الخِلَافَةَ.
فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ هَذَا القَوْلَ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اقْتُلُوا سَعْدَ.
وَلَمَّا سَمِعَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ غَاضِبٍ: وَاللهِ لَوْ شَاكَتْ وَالِدِي شَوْكَةٌ مِنْكُمْ لَأَضَعْتُ بِهَا -أَيْ لَوَضَعْتُهَا بِأَكْبَرِكُمْ-.
فَلَمَّا رَأَى أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ خَافَ الفِتْنَةَ وَقَالَ: رِفْقاً يَا أَبَا حَفْصٍ.




