مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

إيضاح المصباح الدال على سبيل النجاح - عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 79 من 138

الخَلْقُ البَشَرِيُّ

ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى الخَلْقِ (البَشَرِيِّ)(1) فَنَقُولُ: إِنَّهُ خُلِقَ مِنَ الكَوْنِ التُّرَابِيِّ الجِسْمِيِّ الطِّينِيِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾(2) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾(3) ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ كُلِّ كَوْنٍ مِنَ الأَكْوَانِ السِّتَّةِ جُزْءًا:

فَكَانَ مِنْ جُزْءِ الطِّينِ: لَحْمُهُ وَدَمُهُ وَعَظْمُهُ وَجِلْدُهُ وَعَصَبُهُ وَعُرُوقُهُ.

وَمِنْ جُزْءِ النَّارِ: أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَشَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَكَيْدُهُ وَهَمُّهُ.

وَمِنْ جُزْءِ الهَوَاءِ: قُوَّتُهُ (وَنِظَامُهُ)(4) وَقِيَامُهُ وَحَمْلُهُ وَقُعُودُهُ وَخُرُوجُهُ

وَمِنْ جُزْءِ المَاءِ: تَرْبِيَتُهُ وَغِذَاؤُهُ وَلِينُهُ وَتَثْبِيتُهُ وَحِفْظُهُ وَرَاحَتُهُ وَرَأْفَتَهُ وَرَحْمَتُهُ.

وَمِنَ الكَوْنِ الجَوْهَرِيِّ: وَقَلْبُهُ وَهُوَ (أَنْفَسُ مَا فِيهِ)(5)، وَجَعَلَهُ مَحْجُوبًا بِالجِسْمِ، بَاطِنًا بِخَمْسِ صِفَاتٍ: سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَنُطْقٌ وَرَاحَةٌ وَبَطْشٌ

وَأَظْهَرَ لَهُ فِي الخِلْقَةِ خَمْسَ صِفَاتٍ(6) تُسَمَّى الحَوَاسَّ الخَمْسَ وَتُسَمَّى الحَوَاسَّ البَاطِنَ، فَفِي الأُذُنَيْنِ: سَمْعُهُ، وَفِي العَيْنِ: بَصَرُهُ، وَفِي الأَنْفِ: (شَمُّهُ)(7)، وَفِي اللِّسَانِ: نُطْقُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَفِي اليَدَيْنِ: بَطْشُهُ وَهِيَ شَوَاهِدُ عَلَى المُحْتَجِبِ.

وَمِنَ الكَوْنِ النُّورَانِيِّ: نُورٌ احْتَجَبَ بِالقَلْبِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي (المَبْدَأ)(8) النُّورَانِيِّ وَهُوَ (الجُزْءُ)(9) الجَوْهَرِيُّ لِقَوْلِهِمْ: الرُّوحُ فِي النَّفْسِ وَلَهَا خَمْسُ صِفَاتٍ، بَاطِنَةٌ بِبُطُونِهِ، مِنْهَا: فِي القَلْبِ اثْنَانِ وَهُمَا الفَهْمُ وَالتَّمْيِيزُ وَوَاحِدَةٌ فِي العَيْنَيْنِ وَهِيَ الرُّوحُ (المُبْصِرَةُ)(10)، وَاثْنَتَانِ فِي الرَّأْسِ وَهُمَا (المُفَكِّرَةُ وَالمُذَكِّرَةُ)(11)، فَلَمَّا كَمُلَتِ الصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ بِالأَجْزَاءِ الكَائِنَةِ (مِنْهَا كَانَتْ مُقَابِلَةً)(12) لِلطَّبَائِعِ الأَرْبَعَةِ:

فَالجُزْءُ الكَائِنُ مِنَ الكَوْنِ المَائِيِّ: البُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالبَلْغَمُ(13).

وَمِنَ الكَوْنِ النَّارِيِّ: نَارٌ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ مِثْلُ الصَّفْرَاءِ، فَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ(14).

ومِنَ الْكَوْنِ الْهَوَائِيِّ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ الرَّطْبُ وَالدَّمُ(15).

وَمِنَ الْكَوْنِ التُّرَابِيِّ(16): السَّوْدَاءُ، فَهِيَ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

وَلِكُلِّ كَوْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَكْوَانِ عِلْمٌ وَشَرْحٌ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ.

(فَالْعَالَمُ الْبَشَرٍيُّ)(17) الْمُتَكَوِّنُ (مِنَ)(18) الْكَوْنِ التُّرَابِيِّ: أَصْلُهُ الطِّينُ مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَكْوَانِ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ.

وَكَذَلِكَ الْكَوْنُ النَّارِيُّ: عَالَمُهُ الْجِنُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾(19) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾(20).

فَكَانَ أَيُّهَا السَّائِلُ مِنْ (هَذَا الْكَوْنِ النَّارِيِّ: الْجِنُّ الَّذِينَ ظَهَرَتْ)(21) مِنْهُمُ الطَّاعَةُ عَلَى مَا أَوْجَبَ الْعَدْلُ، وَالْحَشْوِيَّةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ: إِنَّنَا نَجْمَعُ الْجِنَّ بِالْعَزَائِمِ وَالطَّلْسَمَاتِ (وَالتَّكَرُّرَاتِ فِي الْمَنَازِلِ)(22) وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ رَدًّا عَلَى اللهِ وَلَغْوًا وَزُورًا.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَاسْتَمِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾(23) فَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْجِنُّ هَاهُنَا(24): هُمُ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ النُّورَانِيُّ، وَهُمُ الْجِنُّ الْمَحْمُودُونَ الَّذِينَ جَنَوْا الْعِلْمَ وَاقْتَبَسُوا النُّورَ.

وَأَمَّا الْجِنُّ الْمَذْمُومُونَ: فَهُمُ الْأَضْدَادُ وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الشَّيْصِبَانِ وَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ (عِنْدَمَا أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَعَصَى وَخَالَفَ الْأَمْرَ)(25) وَسُمِّيَ شَيْطَانًا، (وَكَانَ مِنْ)(26) شَيَاطِينَ مُتَشَيْطَنَةٍ، (وَالشَّاهِدُ عَلَى إِبْلِيسَ)(27) هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى -جَلَّ جَلَالُهُ- : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ

أَمْرِ رَبِّهِ﴾(28) (وَقَوْلُنَا فِي هَذَا الْكَوْنِ وَالْأَكْوَانِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ كِفَايَةٌ حَسَبَ مَا أَوْرَدْنَا فِيهِمْ وَبِأَمْثَالِهِمْ)(29).

الهوامش

1في نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَالبَشَرِيَّةِ.
2سورة المؤمنون - الاية 12
3سورة السجدة - الاية 8
4في نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَنُظُمُهُ.
5فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَهَوَى نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَفْسَ فِيهِ.
6فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: ذَوَاتٍ خَامِدَةٍ.
7فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: الرَّائِحَةُ وَالشَّمُّ.
8فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: المُبْتَدَأ..
9فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: الحَدِيثُ.
10فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: البَاصِرَةُ.
11فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَهِيَ التَّفْكِيرُ وَالتَّذْكِيرُ.
12فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَفِيهَا يَكُونُ مُقَابَلَتُهُ.
13فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَهُوَ مِنَ الخَرِيفِ الكَائِنِ مِنَ النَّارِ البَارِدِ وَالرُّطُوبَةِ وَالبَلْغَمِ.
14فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَمِنَ الكَوْنِ الثَّانِي الكَائِنِ مِنَ النَّارِ وَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةُ الصُّفْرَةِ وَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ.
15فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَمِنَ الكَوْنِ الأَوَّلِ الهَوَاءُ الحَارُّ الرُّطْبُ وَالدَّمُ وَهُوَ حَارٌّ رَطْبٌ.
16فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَعَنِ الكَوْنِ الكَائِنِ مِنَ التُّرَابِ.
17فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: فِي عَالَمِ البَشَرِ/وَفِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: فَالعَالَمُ البَشَرُ.
18فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: فِي.
19سورة الحجر - الاية 26
20سورة الحجر - الاية 27
21فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: هَذِهِ الأَكْوَانِ الجِنُّ.
22فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَالتِّكْرَارَاتِ فِي المَنَادِيلِ.
23سورة الجن - الاية 1- 2
24فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَأَمَّا هَذِهِ الجِنُّ.
25فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: فِي هَذَا القَوْلِ لِأَنَّهُ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَعَصَى وَخَالَفَ الأَمْرَ فَأَبْلَسَ مِنَ الرَّحْمَةِ.
26فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَيَكُونُ مِنْهُمْ.
27فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَشَاهِدًا لإبليس فِي فُسُوقِهِ وَعِصْيَانِهِ.
28سورة الكهف - الاية 50
29فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَفِي هَذِهِ الأَكْوَانِ مِنَ الأَكْوَانِ الأَرْبَعَةِ البَاقِينَ بِحَسَبِ مَا أَوْرَدْنَاهُ هُمْ وَفِي أَمْثَالِهِمْ الكِفَايَةَ.
الصفحة 79 من 138