الخَلْقُ البَشَرِيُّ
ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى الخَلْقِ (البَشَرِيِّ)(1) فَنَقُولُ: إِنَّهُ خُلِقَ مِنَ الكَوْنِ التُّرَابِيِّ الجِسْمِيِّ الطِّينِيِّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾(2) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾(3) ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ كُلِّ كَوْنٍ مِنَ الأَكْوَانِ السِّتَّةِ جُزْءًا:
فَكَانَ مِنْ جُزْءِ الطِّينِ: لَحْمُهُ وَدَمُهُ وَعَظْمُهُ وَجِلْدُهُ وَعَصَبُهُ وَعُرُوقُهُ.
وَمِنْ جُزْءِ النَّارِ: أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَشَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَكَيْدُهُ وَهَمُّهُ.
وَمِنْ جُزْءِ الهَوَاءِ: قُوَّتُهُ (وَنِظَامُهُ)(4) وَقِيَامُهُ وَحَمْلُهُ وَقُعُودُهُ وَخُرُوجُهُ
وَمِنْ جُزْءِ المَاءِ: تَرْبِيَتُهُ وَغِذَاؤُهُ وَلِينُهُ وَتَثْبِيتُهُ وَحِفْظُهُ وَرَاحَتُهُ وَرَأْفَتَهُ وَرَحْمَتُهُ.
وَمِنَ الكَوْنِ الجَوْهَرِيِّ: وَقَلْبُهُ وَهُوَ (أَنْفَسُ مَا فِيهِ)(5)، وَجَعَلَهُ مَحْجُوبًا بِالجِسْمِ، بَاطِنًا بِخَمْسِ صِفَاتٍ: سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَنُطْقٌ وَرَاحَةٌ وَبَطْشٌ
وَأَظْهَرَ لَهُ فِي الخِلْقَةِ خَمْسَ صِفَاتٍ(6) تُسَمَّى الحَوَاسَّ الخَمْسَ وَتُسَمَّى الحَوَاسَّ البَاطِنَ، فَفِي الأُذُنَيْنِ: سَمْعُهُ، وَفِي العَيْنِ: بَصَرُهُ، وَفِي الأَنْفِ: (شَمُّهُ)(7)، وَفِي اللِّسَانِ: نُطْقُهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، وَفِي اليَدَيْنِ: بَطْشُهُ وَهِيَ شَوَاهِدُ عَلَى المُحْتَجِبِ.
وَمِنَ الكَوْنِ النُّورَانِيِّ: نُورٌ احْتَجَبَ بِالقَلْبِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي (المَبْدَأ)(8) النُّورَانِيِّ وَهُوَ (الجُزْءُ)(9) الجَوْهَرِيُّ لِقَوْلِهِمْ: الرُّوحُ فِي النَّفْسِ وَلَهَا خَمْسُ صِفَاتٍ، بَاطِنَةٌ بِبُطُونِهِ، مِنْهَا: فِي القَلْبِ اثْنَانِ وَهُمَا الفَهْمُ وَالتَّمْيِيزُ وَوَاحِدَةٌ فِي العَيْنَيْنِ وَهِيَ الرُّوحُ (المُبْصِرَةُ)(10)، وَاثْنَتَانِ فِي الرَّأْسِ وَهُمَا (المُفَكِّرَةُ وَالمُذَكِّرَةُ)(11)، فَلَمَّا كَمُلَتِ الصُّورَةُ البَشَرِيَّةُ بِالأَجْزَاءِ الكَائِنَةِ (مِنْهَا كَانَتْ مُقَابِلَةً)(12) لِلطَّبَائِعِ الأَرْبَعَةِ:
فَالجُزْءُ الكَائِنُ مِنَ الكَوْنِ المَائِيِّ: البُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالبَلْغَمُ(13).
وَمِنَ الكَوْنِ النَّارِيِّ: نَارٌ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ مِثْلُ الصَّفْرَاءِ، فَهِيَ حَارَّةٌ يَابِسَةٌ(14).
ومِنَ الْكَوْنِ الْهَوَائِيِّ: الْهَوَاءُ الْحَارُّ الرَّطْبُ وَالدَّمُ(15).
وَمِنَ الْكَوْنِ التُّرَابِيِّ(16): السَّوْدَاءُ، فَهِيَ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
وَلِكُلِّ كَوْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَكْوَانِ عِلْمٌ وَشَرْحٌ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ.
(فَالْعَالَمُ الْبَشَرٍيُّ)(17) الْمُتَكَوِّنُ (مِنَ)(18) الْكَوْنِ التُّرَابِيِّ: أَصْلُهُ الطِّينُ مِنَ الْخَمْسَةِ الْأَكْوَانِ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ الْكَوْنُ النَّارِيُّ: عَالَمُهُ الْجِنُّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾(19) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾(20).
فَكَانَ أَيُّهَا السَّائِلُ مِنْ (هَذَا الْكَوْنِ النَّارِيِّ: الْجِنُّ الَّذِينَ ظَهَرَتْ)(21) مِنْهُمُ الطَّاعَةُ عَلَى مَا أَوْجَبَ الْعَدْلُ، وَالْحَشْوِيَّةُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ: إِنَّنَا نَجْمَعُ الْجِنَّ بِالْعَزَائِمِ وَالطَّلْسَمَاتِ (وَالتَّكَرُّرَاتِ فِي الْمَنَازِلِ)(22) وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ رَدًّا عَلَى اللهِ وَلَغْوًا وَزُورًا.
وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا السَّائِلُ: فَاسْتَمِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾(23) فَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْجِنُّ هَاهُنَا(24): هُمُ الْعَالَمُ الْكَبِيرُ النُّورَانِيُّ، وَهُمُ الْجِنُّ الْمَحْمُودُونَ الَّذِينَ جَنَوْا الْعِلْمَ وَاقْتَبَسُوا النُّورَ.
وَأَمَّا الْجِنُّ الْمَذْمُومُونَ: فَهُمُ الْأَضْدَادُ وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ وَبَنُو الشَّيْصِبَانِ وَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ (عِنْدَمَا أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ فَعَصَى وَخَالَفَ الْأَمْرَ)(25) وَسُمِّيَ شَيْطَانًا، (وَكَانَ مِنْ)(26) شَيَاطِينَ مُتَشَيْطَنَةٍ، (وَالشَّاهِدُ عَلَى إِبْلِيسَ)(27) هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى -جَلَّ جَلَالُهُ- : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ
أَمْرِ رَبِّهِ﴾(28) (وَقَوْلُنَا فِي هَذَا الْكَوْنِ وَالْأَكْوَانِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ كِفَايَةٌ حَسَبَ مَا أَوْرَدْنَا فِيهِمْ وَبِأَمْثَالِهِمْ)(29).




