وَهَذَا الْقَوْلُ تَلْبِيسٌ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ، (وَسِرٌّ وَحِجَابٌ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِنِ)(1) لِمَنْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّرْتِيبُ فِي أَفْلَاكِهَا وَنُجُومِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ (الْأَنْوَارِ)(2) وَقَدْ جُعِلَ لِكُلٍّ مِنْهَا تَأْثِيرًا دَلَّ بِهِ عَلَى (عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَجَلِيلِ الْمُلْكِ)(3) وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾(4) ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْضِينَ سَبْعًا وَرَتَّبَهَا أَطْبَاقًا مُؤَسَّسَةً عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، بَاطِنُهَا سَبْعُ مَرَاتِبَ، أَوَّلُهَا السَّابِقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(5) وَهُمُ(6) الْمُقَرَّبُونَ وَالْكَرُّوبِيُّونَ وَالرُّوحَانِيُّونَ وَالْمُقَدَّسُونَ وَالسَّائِحُونَ وَالْمُسْتَمِعُونَ(7) وَاللَّاحِقُونَ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْعَالَمُ السُّفْلِيُّ وَمَرَاتِبُ الرُّوحَانِيِّينَ(8).
وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَالِمُ -عَزَّ عَزُّهُ- : كُلُّ سَمَاءٍ سَلْسَلٌ، وَكُلُّ أَرْضٍ مِقْدَادٌ.
وَهُمُ الْبِحَارُ (السُّفْلَى الَّتِي)(9) مِنْهَا أَمْوَاجُ (بِحَارِ)(10) الْأَرْضِ وَالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ (وَالْمَعَادِنِ وَالْجَوَاهِرِ)(11) مِثْلِ الْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ الْأَخْضَرِ وَالْعَقِيقِ وَالْبِلُّوْرِ (وَالجَزَعِ)(12) وَاللُّؤْلُؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُرْجَانِ (وَأَعْيُنِ الْقِطْرَانِ)(13) وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالْفِضَّةِ (وَالزِّئْبَقِ وَهِيَ الْفِضَّةُ)(14)، وَمَنَابِتِ الذَّهَبِ وَمَعَادِنِ الْقِصْدِيرِ النَّامِي وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا نَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ، وَهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ هَذَا الْبَحْرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾(15) وَالسَّبْعَةُ الْأَبْحُرُ الَّتِي تَمُدُّهُ هُمُ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ، وَهُمْ شَجَرَةُ الْأَقْلَامِ الَّذِينَ (تُرْفَعُ بِهِمْ أَعْلَامُ الخَلْقِ)(16) وَأَعْمَالُهُمْ، (وَهُمُ الْحَفَظَةُ عَنْهُمْ)(17).
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ عَلَى مَجَازِ الْقَوْلِ، قُلْنَا لَهُ: الْمَجَازُ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَضْرِبُ الْأَمْثَالَ وَلَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ (مَجَازًا)(18) فَقَدْ كَفَرَ، وَهُمُ الشَّجَرَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾(19) وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾(20) وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾(21) وَهُمُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَمَادَّتُهُمْ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ.
فَأَمَّا الْأَرْضُ التُّرَابِيَّةُ الْمَاسِكَةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾(22) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(23) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(24).
فَالنَّحْلُ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: هُمُ الْعَالَمُ السُّفْلِيُّ السَّبْعُ مَرَاتِبَ الْأَرْضِيَّةَ وَالْقَوْلَانِ صَحِيحَانِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمُ اللَّاحِقُونَ، وَالْجِبَالُ: هُمُ (الظُّهُورَاتُ الْفَارِسِيَّةُ)(25)، وَالشّجَرُ: هُمُ (الظُّهُورَاتُ العَرَبِيَّةُ)(26)، فَاسْأَلْ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ النَّاطِقُونَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالخُشُوعِ بَيْنَ (أَيْدِيهِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ)(27) وَالشَّرَابُ المُخْتَلِفُ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ: هُوَ العِلْمُ (الإِلَهِيُّ)(28) وَالجِبَالُ: هُمْ (أَجْسَامُ)(29) الأَنْبِيَاءِ




