بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ» ثُمَّ يَرْدِفُ قَائِلَاً لِتَقْيِيمِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ: «مَا رَأَيْتُ نِعْمَةً مَوْفُورَةً إِلَّا وَإِلَى جَانِبِهَا حَقٌّ مُضَيَّعٌ»!
هَلْ عَرَفْتَ عَظِيمَاً دَلَّهُ عَقْلُهُ الجَبَّارُ، مُنْذُ بِضْعَةَ عَشَرَ قَرْنَاً، عَلَى اكْتِشَافِ سِرِّ الإنْسَانِيَّةِ الصَّحِيحِ، فَإِذَا كَانَ رَافَايِيلُ قَدِ اتَّخَذَ مِنْ إِحْدَى فَلَّاحَاتِ الرِّيفِ الإِيطَالِيِّ نَمُوذَجَاً لِلْعَذْرَاءِ أُمِّ المَسِيحِ لِيَضَعَ فِي هَذَا النَّمُوذَجِ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ وَيُرِيدُهُ مِنْ مَعَانِي الكَرَمِ الإنْسَانِيِّ، وَإِذَا كَانَ تُولْسْتُوي وَفُولْتِير وَغِيتِي قَدْ عَمِلُوا فِي صَنِيعِهِمُ الفِكْرِيِّ وَالاِجْتِمَاعِيِّ مَا هُوَ مِنْ رُوحِ رَافَايِيلَ فِي صَنِيعِهِ هَذَا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَظِيمَ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَيْهِ بِمِئَاتِ السِّنِينَ مَعَ الفَارِقِ بَيْنَ ظَرْفِهِ الصَّعْبِ وَظُرُوفِهِمُ المُوَاتِيَةِ، وَبَيْنَ مُجْتَمَعِهِ الضَّيِّقِ وَمُجْتَمَعَاتِهِمُ الوَاسِعَةِ فَإِذَا هُوَ يُحَارِبُ المُلُوكَ وَالأُمَرَاءَ وَالوُلَاةَ وَالأَثْرِيَاءَ! يُحَارِبُ عَبَثَهُمْ وَسُخْفَ تَفْكِيرِهِمْ فِي سَبِيلِ الشَّعْبِ المَظْلُومِ المَهَانِ فَيُقْسِمُ قَائِلَاً: «وَايْمُ اللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ المَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَلَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الحَقِّ وَإِنْ كَانَ كَارِهَاً» ثُمَّ يُطْلِقُ فِي آذَانِ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ العَابِثِينَ هَذِهِ الصَّيْحَةَ المُدَوِّيَةَ الَّتِي يكْمُنُ وَرَاءَهَا مِنَ المَعْرِفَةِ لِحَقِيقَةِ الارِسْتُقْرَاطِيَّةِ التَّافِهِينَ، المُتَعَالِينَ عَلَى تَفَاهَتِهِمْ، وَلِحَقِيقَةِ الشَّعْبِ البَائِسِ الشَّقِيِّ، مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ بِإِيجَازٍ كَأَنَّهُ صَوْتُ القَدَرِ: «أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ، وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلُكُمْ»!




