الصُّورَةِ الذَّاتِيَّةِ مِنْ قِبَلِ مَطْلُوبِهِمْ وَلُغَتِهِمْ فِي التَّجَلِّي الَّذِي يَفْتَحُهُ الْبَابُ بِمَا يُوجِبُهُ الْحِجَابُ". (1)
وَقَوْلُهُ فَأَضَاءَ لَهُ الْمَعْوَجُّ فَامْتَحَنَهُ: أَيْ أَشْرَقَ الْمَعْنَى بِهَذِهِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ لِعَالَمِ الْبَشَرِ عَلَى قَدْرِ مَا أَمْكَنَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ إِلَّا كَهَيْئَتِهِمْ وَالِامْتِحَانُ هُوَ تَغْيِيرُ الظُّهُورِ وَالِاسْمِ والصِّفَةِ وَالشَّرِيعَةِ فِي كُلِّ قُبَّةٍ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ هِيَ الْمِحْنَةُ الْكُبْرَى وَالصِّرَاطُ الدَّقِيقُ ذُو الْحَدَثِ الْأَعْظَمِ.
وَقَوْلُهُ فَأَظْلَمَ عَلَيْهِ الْمُسْتَقِيمُ: فَالْمُسْتَقِيمُ هِيَ صُورَةُ الْوُجُودِ الَّتِي قَامَتْ بَيْنَ الضِّيَاءِ وَالظِّلِّ، وَهِيَ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي تَجَلَّى بِهَا الْمَعْنَى فِي يَوْمِ الذَّرْوِ لِلْعِبَادَةِ لَمَّا كَانَ الْعَالَمُ كَدَقِّ الْخَيَالِ، وَلَمَّا أَهْبَطَهُمْ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا وَأَلْبَسَهُمْ هَذِهِ الْقُمْصَانَ الْبَشَرِيَّةَ اللَّحْمِيَّةَ الدَّمَوِيَّةَ أَظْلَمَ عَلَيْهِ الْمُسْتَقِيمُ، أَيْ أَعْدَمَهُمْ ذَلِكَ الْوُجُودَ، وَغَيَّبَ أَبْصَارَهُمْ عَنْ تِلْكَ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ الَّتِي كَانَ ظَاهِراً بِهَا لَهُمْ فِي ذَرْوِ النُّورِ وَحَجَبَ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ فِي الْبَشَرِيَّةِ وَهُوَ الْتِفَافُ الْأَلِفِ بِالَّلامِ وَاخْتِلَاطُهُمْ أَيْ بِالْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ الصُّورَتَيْنِ وَاحِدَةٌ، وَالْهَاءُ الَّتِي بَيْنَهُمْ هِيَ الْقُدْرَةُ الْحَائِطَةُ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ، وَهِيَ هِيُولَى الْهَيُولَاتِ وَأُسُّ الْحَرَكَاتِ، وَكُلُّهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَكِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ النَّاظِرِ، وَسُمِّيَ الْمُسْتَقِيمُ مُسْتَقِيمٌ؛ لِأَنَّ صُورَةَ النُّورِ هِيَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَكُلُّ مَنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَأَقَرَّ بِهِ فَقَدِ اسْتَقَامَ عَلَى الصِّرَاطِ.




