المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ عَشَرَةَ: الْعِبَادَةُ لِلْقَمَرِ أَمْ لِمَنْ أَبْدَاهُ؟
يَنْقُلُ مِنْ خُطْبَةٍ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ -عَزَّ عَزُّهُ- عِنْدَمَا كَانَ يَسْعَى لِقِتَالِ الخَوَارِجِ قَوْلُهُ: أَنَا كَيَّفْتُ الشَّمْسَ وَأَبْدَيْتُ القَمَرَ، وَبِقُدْرَتِي تَسِيرُ النُّجُومُ، وَبِإِرَادَتِي يَدُورُ الفَلَكُ، مَلَكْتُ المُلُوكَ بِقُدْرَتِي، وَاسْتَعْبَدْتُ الأَرْبَابَ بِعِزَّتِي.
وَيَسْأَلُ غَفَرَ اللهُ لَهُ: مَنِ العَابِدُ وَمَنِ المَعْبُودُ؟ هَلْ مَنْ أَبْدَى القَمَرَ أَمِ القَمَرُ؟
فَأَقُولُ: اعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ وَفَّقَكَ اللهُ وَإِيَّانَا، إِنَّ العِبَادَةَ وَالقَصْدَ لِلْأَزَلِ القَدِيمِ وَهُوَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الظَّاهِرُ بِقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ، وَهُوَ المُبْدِي المُعِيدُ، وَهُوَ خَالِقُ الخَلْقِ وَصَانِعُ الحُجُبِ وَلَهُ المَشِيئَةُ فِي أَنْ يَظْهَرَ بِهَا أَوْ بِخِلَافِهَا.
وَإِنَّ قَوْلَهُ "كَيَّفْتُ الشَّمْسَ" أَيْ اخْتَرَعْتُ رُوحَهَا وَجَوْهَرَهَا وَهُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ -عَزَّ عَزُّهُ- ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ "أَبْدَيْتُ القَمَرَ" ظَهَرْتُ لَكُمْ بِالصُّورَةِ الظِّلِّيَّةِ البَشَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ القَمَرَ حِجَابُ الظِّلِّ وَمِنْهُ يَتَجَلَّى فِي سَائِرِ الأَكْوَارِ وَالأَدْوَارِ.
وَالقَصْدُ لِلْمُبْدِي وَلِلْبَادِي أَيِ لِلظَّاهِرِ بِالمَظَاهِرِ، فَهُوَ المَعْنَى الأَزَلُ المُفَرِدُ عَنْ مُشَابَهَةِ مَخْلُوقَاتِهِ العَلَوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُشَابِهُهُمْ بِالنُّورِ أَمْ بِالبَشَرِ.
وَإِنَّ قَطْرَةَ المَاءِ مِنَ البَحْرِ لَيْسَتْ كُلِّيَّةَ البَحْرِ لَكِنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ مَاهِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ آيَةٌ مِنْهُ تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ مَعْنُوِيَّتِهِ تَعَالَى اللهُ عَنِ التَّصْوِيرِ وَالتَّكْوِيرِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ لِهَذَا




