وَالحِجَابُ هَا هُنَا الصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ فِي البَشَرِ وَالنُّورِ، فَكَانَتْ مَعَ الخَلَائِقِ فِي عَالَمِ البَشَرِ بَشَرِيَّةً، وَفِي عَالَمِ النُّورِ نُورَانِيَّةً، وَهُوَ يَجِلُّ عَنِ الصِّفَتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّنْزِيهَ تَنَزُّهُهُ عَن مَا مَاثَلَ بِهِ خَلْقَهُ فِي الحَالَيْنِ.
وَهُنَا وَقَعَتْ إِشَارَةُ الشَّيْخِ أَبُو سَعِيدٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فَيَقُولُ: إِنَّ المَعْنَى لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ عَن كِيَانِهِ وَإِن ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، وَإِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الأُولَى النُّورَانِيَّةَ هِيَ الصُّورَةُ الأُخْرَى البَشَرِيَّةُ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ لَا فِي الجِنْسِ وَالمَنْظَرِ، وَمَن قَالَ إِنَّ الصُّورَةَ النُّورَانِيَّةَ غَيْرُ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ فِي الجِنْسِ وَالمَنْظَرِ لَا فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ فَقَدْ صَدَقَ، ذَلِكَ لِأَنَّ جِنْسَ المَلَائِكَةِ نُورَانِيُّونَ وَجِنْسَ الآدَمِيِّينَ بَشَرِيُّونَ، فَشَاكَلَهُمُ البَارِي فِي الأَجْنَاسِ وَالصُّوَرِ وَبَايَنَهُم فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ .
فَالصُّورَتَيْنِ النُّورَانِيَّةُ المُشَاكِلَةُ لِعَالَمِ الأَنْوَارِ، وَالبَشَرِيَّةُ المُشَاكِلَةُ لِعَالَمِ الأَبْشَارِ هُمَا حِجَابٌ وَاحِدٌ، وَالمَعْنَى القَدِيمُ خَارِجٌ دَاخِلٌ فِيهِمَا، فِي عَالَمِ البَشَرِ دُونَ العَوَالِمِ الصَّافِيِينَ مِنَ الكَدَرِ أَثْنَاءَ الخَلْقِ، وَبَعْدَ الخَلْقِ لَا حِجَابَ وَلَا صُورَةَ وَلَا رَسْمَ جَلَّ العَلِيُّ الكَبِيرُ عَنِ التَّصْوِيرِ وَالتَّدْوِيرِ وَالخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ.
وَقَدْ أَجَادَ الشَّيْخُ الِاسْتِبَارِيُّ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- تَعَالَى بِقَوْلِهِ: إِنَّ المَعْنَى تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ المُحْدَثَاتِ، وَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الصُّورَتَيْنِ البَشَرِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، وَإِنَّهُ فِي بُطُونِهِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَلَا صِفَةٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا مَثِيلٌ وَلَا عَدِيلٌ، وَلَا يَسَعُهُ مَكَانٌ وَلَا يَحْصُرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَخْتَلِجُ بِالأَوْهَامِ




