فَإِنَّ الحَسَّاسَةَ: كَالمِشْكَاةِ، لِأَنَّ مَحَلَّهَا كَالكَوْكَبِ، وَجِهَتُهَا إِلَى الظَّاهِرِ لَا تُدْرِكُ مَاوَرَاءَهَا، وَإِضَاءَتُهَا بِالمَعْقُولَاتِ لَا بِالذَّاتِ، وَالخَيَالِيَّةُ...إِلَى قَوْلِهِمْ: وَالمُفَكِّرَةُ: كَالشَّجَرَةِ المُبَارَكَةِ لِتَأْدِيَتِهَا إِلَى ثَمَرَاتٍ لَانِهَايَةَ لَهَا الزَّيْتُونَةُ المُثْمِرَةُ بِالزَّيْتِ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ المَصَابِيحِ الَّتِي تَكُونُ لَاشَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ لِتَجَرُّدِهَا عَنِ اللَّوَاحِقِ الجِسْمِيَّةِ، أَوْ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ الصُّوَرِ وَالمَعَانِي، مُتَصَرِّفَةً فِي القَبِيلَيْنِ، مُنْتَفِعَةً مِنَ الجَانِبَيْنِ، وَالقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ: كَالزَّيْتِ، فَإِنَّ لَطَائِفَهَا وَشِدَّةَ زكَائِهَا تَكَادُ تُضِيءُ بِالمَعَارِفِ مِنْ غَيْرِ تَفَكُّرٍ وَلَا تَعَلُّمٍ.
وَقَوْلُهُمْ بِاخْتِصَاصِ الزَّيْتُونَةِ أَنَّهَا مِنْ زَيْتُونِ الشَّامِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَجْوَدِ الزُّيُوتِ، فَلِذَلِكَ مَثَّلَ اللهُ بِهِ قَوْلَهُمْ وَسْطَى، أَيْ لَاهِيَ فِي شَرْقِ المَعْمُورَةِ، وَلَا فِي غَرْبِهَا، بَلْ فِي وَسَطِهَا وَهِيَ الشَّامُ.
فَقَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي حَجَبَ أَعْيُنَ قُلُوبِهِمُ العَمْيَةَ بِخِمَارِ الظَّاهِرِ المَضْرُوبِ عَلَى المَعَانِي الأَصْلِيَّةِ.
وَلَقَدْ يَعْلَمُ مَنْ تَفَتَّحَتْ لَهُ أَعْيُنُ المَعَارِفِ وَأَسْعَدَهُ التَّوْفِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ بِقَوْلِهِ هَذَا عَلَى الحَوَاسِّ الخَمْسِ المُرْتَبِطَةِ بِالعِبَادِ، وَلَا زَيْتُونِ الشَّامِ، بَلِ المُرَادُ بِقَوْلِهِ هَذَا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَيِ: الظَّاهِرُ عَلَى مِثَالِ أَهْلِ النُّورِ، وَقَدَّمَ ذِكْرَ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ وَهِيَ مَسْكَنُ المَلَائِكَةِ.




