مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

رِسَالَةُ مِنْحَةِ الكِرَامِ وَثَمْرَةِ الكَلَامِ - الشَّيْخِ يُوسُفُ عليِّ الخَطِيبِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 19 من 86

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ عَن قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾(1)؟.

فَكَيْفَ أُمِرَ مُوسَى بِخَلْعِ نَعْلِهِ وَلِمُحَمَّدٍ بِوَطْءِ البِسَاطِ، وَهُمَا بِالحَقِيقَةِ اسْمٌ وَاحِدٌ وَلَوْ أَنَّهُم مِائَةُ أَلْفٍ بِالعَدَدِ؟

فَهَذَا يَاسَيِّدِي أَبْزَغَ اللهُ بِصَدْرِكَ شَمْسَ المَعَارِفِ، وَأَسْكَنَكَ مِن رَحْمَتِهِ بِرِيَاضِ كَنَفِهِ المَدِيدِ الوَارِفِ، قَوْلٌ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ لَنَا فِي رِسَالَةِ: "مُوضِحَةِ البَيَانِ فِي مَسَائِلِ سَيِّدِي الشَّيْخِ عَلِي سَلْمَان ".

وَلَكِنْ لَابُدَّ لَنَا مِن إِثْبَاتِهِ هَاهُنَا لِتَتِمَّ الفَائِدَةُ وَتَنْجَلِي أَسْمَاعُ المُسْتَمِعِينَ وَهُوَ مَارَوَتْهُ العَامَّةُ مِن أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَمَا شَرَحْنَاهُ إِلَّا لِنُبَيِّنَ مَا ذْهَبَ إِلَيْهِ سُوءِ اعْتِقَادَاتِهِمُ القِيَاسِيَّةِ وَتَصَوُّرَاتِهِمُ الخَيَالِيَّةِ بِقَوْلِهِم: إِنَّ مُوسَى -عَزَّ عَزُّهُ- لَمَّا قَضَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ مُنْفَصِلَاً عَن أَرْضِ مَدْيَنَ وَكَانَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ وَغَنَمُهُ، وَهِيَ لَاتَدْرِي أَتَضَعُ لَيْلَاً أَمْ نَهَارَاً، فَانْطَلَقَ فِي بَرِّيَّةِ الشَّامِ عَادِلَاً عَنِ المَدَائِنِ وَالعِمْرَانِ مَخَافَةَ المُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا بِالشَّامِ، فَسَارَ مُوسَى غَيْرَ عَارِفٍ بِطَرِيقِهَا، فَأَلْجَأَهُ المَسِيرُ إِلَى جَانِبِ الطُّورِ الغَرْبِيِّ فِي عَشِيَّةٍ شَاتِيَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ وَأَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَأَخَذَتِ السَّمَاءُ تُرْعِدُ وَتَبْرُقُ وَتُمْطِرُ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ الطَّلْقُ فَعَمَدَ مُوسَى إِلَى زَنْدِهِ فَلَمْ يُورِ، فَتَحَيَّرَ وَقَامَ وَقَعَدَ، إِذْ لَمْ يَكُن لَهُ عَهْدٌ بِذَلِكَ بِالزِّنَادِ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ مَاقَرُبَ وَبَعُدَ تَحَيُّرَاً وَضَجَرَاً، ثُمَّ أَخَذَ يَتَسَمَّعُ طَوِيلَاً هَلْ يَسْمَعُ حِسَّاً أَوْ حَرَكَةً.

فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ الغَرْبِيِّ نُورَاً فَحَسِبَهُ نَارَاً فَقَال لِأَهْلِهِ: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾(2) يَعْنِي مَن يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ.

فَلَمَّا أَتَاهَا وَجَدَهَا نُورَاً عَظِيمَاً مُمْتَدَّاً مِن عِنَانِ السَّمَاءِ إِلَى شَجَرَةٍ هُنَاكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّجَرَةَ مَاكَانَتْ، فَقِيلَ العَوْسَجَةُ، وَقِيلَ العُنَّابُ.

فَتَحَيَّرَ مُوسَى وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ حَيْثُ رَأَى نَارَاً عَظِيمَةً لَيْسَ لَهَا دُخَانٌ، وَهِيَ تَلْهَبُ مِن جَوْفِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَاتَزْدَادُ الشَّجَرَةُ إِلَّا الخُضْرَةَ وَلَا تَزْدَادُ النَّارُ إِلَّا عِظَمَاً، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا مُوسَى تَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجَعَ عَنْهَا، وَدَنَتْ مِنْهُ، ﴿نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ﴾(3).

الهوامش

1سورةطه: الآية 12.
2سورةطه: الآية 10.
3سورةالقصص: الآية 30.
الصفحة 19 من 86