بِقَوْلِهِ: «الحَازِمُ الَّذِي يَقْهَرُ الحَاسَّةَ بِخَلْعِ عَوَاقِبِهَا الدَّنِيَّةِ، وَيُجَرِّدُ سَيْفَ عَزْمِهِ فِي مُحَارَبَةِ هَوَاهُ، وَيَصْرِفُ عَزِيمَتَهُ عَنِ المَأْكُولَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَى المَعْلُومَاتِ القُدْسِيَّةِ وَيَمْتَطِي فِي سَفَرِهِ مِنْ عَالَمِ الخَيَالِ إِلَى ظِلِّ الظِّلَالِ وَمَحَلِّ الكَمَالِ، مَطِيَّتُهُ الِاجْتِهَادُ وَيَتَزَوَّدُ التَّقْوَى وَيَتَدَرَّعُ الخَوْفَ وَيُصْحِبُ الصَّبْرَ وَيُرَافِقُ الصَّالِحِينَ فَقَدْ قِيلَ الرَّفِيقُ قَبْلَ الطَّرِيقِ».
فَإِنَّ مُؤْمِنَ الِانْفِرَادِ غَيْرَ مُؤْمَّنِ الضَّلَالِ، فَفِي قَوْلِهِ هَذَا -قَدَّسَهُ اللَّهُ- كِفَايَةٌ لِمَنْ تَحَمْلَقَ وَهِدَايَةٌ لِمَنْ تَسَلَّقَ إِنَّ مَنْ انْفَرَدَ وَلَمْ يَسْتَرْشِدْ غَيْرُ مُؤْمَّنٍ أَنْ يَضِلَّ عَنِ الطَّرِيقِ، وَمَنْ لَمْ يَرْكَبْ فِي سُفُنِ الصَّالِحِينَ وَيُرَافِقِ العُلَمَاءَ يَفْسَدْ فِي بَحْرِ الضَّلَالَةِ غَرِيقاً، وَلِهَذَا حَذَّرَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ المُؤْمِنِينَ نَهْياً كَيْ لَايَنْفَرِدَ أَحَدُهُمْ بِرَأْيِهِ حَذَراً مِنْ أَنْ يَشِطَّ بِهِ الطَّرِيقُ إِلَى غَيْرِ الصَّوَابِ أَوْ تُمْسِكَهُ القُشُورُ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الأَلْبَابِ، بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ المَوْلَى الصَّادِقِ -عَزَّ عَزُّهُ- بِاتِّبَاعِ العُلَمَاءِ وَأَخْذِ العُلُومِ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾(1) يَعْنِي: إِذَا غَابَتِ الأَئِمَّةُ مِنَ الأَرْضِ فَخُذُوا العُلُومَ مِنَ العُلَمَاءِ، فَفِي هَذَا بُلُوغٌ لِمَنْ أَسْعَدَهُ التَّوْفِيقُ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ وَالهَادِي وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ.




