مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُوضِحَةُ البَيَانِ ِفي مَسَائِلِ الشَّيخِ عَلي سَلْمَانَ - الشَّيْخِ يُوسُفُ عليِّ الخَطِيبِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 13 من 64

وَمِنْ حَيْثُ قَدَّمْنَا أَنَّ الجِنَّ هُمُ العَالَمُ الصَّغِيرُ، فَنَقُولُ: إِنَّا وَجَدْنَا فِي أَكْثَرِ الأَقْوَالِ أَنَّ اسْمَ الجِنِّ تَشْتَرِكُ بِهِ عِدَّةُ العَالَمَيَنِ العَالَمُ الأَكْبَرُ وَالعَالَمُ الأَصْغَرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ بِلْقِيسَ: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾(1)، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ صَاحِبُ "الرِّسَالَةِ المِصْرِيَّةِ" وَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إِنَّ العِفْرِيتَ مِنَ الجِنِّ هُوَ المِقْدَادُ».

وَكَثِيرٌ مِثْلُ هَذَا فِي كُتُبِ سَادَاتِنَا يَشْتَرِكُ بِهِ جُمْلَةُ العَالَمَينِ مِنِ اسْمِ الجِنِّ، لِأَنَّ الخَمْسَةَ آلَافٍ العَالَمُ الكَبِيرُ وَأَلْفٌ اخْتِيَارَاتِ العَالَمِ الصَّغِيرِ تَتِمَّةُ سِتَّةِ آلَافٍ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بَيْنَ يَدَيِ القَائِمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الشَّيْخُ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- فِي هِدَايَتِهِ بِقَوْلِهِ:

«قَالَ المُفَضَّلُ: يَاسَيِّدِي، أَوْ تَظْهَرُ المَلَائِكَةُ وَالجِنُّ لِلنَّاسِ؟

قَالَ: أَيْ وَالله يَامُفَضَّلُ، وَيُخَالِطُونَهُمْ كَمَا يَكُونُ الرَّجُلُ مَعَ جَمَاعَتِهِ وَأَهْلِهِ.

قُلْتُ: يَاسَيِّدِي، وَيَسِيرُونَ مَعَهُ؟

قَالَ: أَيْ وَالله، وَيَنْزِلُ أَرْضَ الهِجْرَةِ وَمَا بَيْنَ الكُوفَةِ وَالنَّجَفِ وَعَدَدُ أَصْحَابِهِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفاً مِنَ المَلَائِكَةِ وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنَ الجِنِّ بِهِمْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ وَيَفْتَحُ عَلَى يَدِهِ».

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ فِي دِيوَانِهِ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- :

وَسِتَّةُ آلَافٍ مِنَ الجِنِّ عَدُّهُمْ

وَبَيْنَهُمْ فِي خطْبَةٍ مِنْهُ حَيْدَرُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَحِجَابٌ بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ»: وَهُمْ عَالَمُ الأَبْشَارِ الآدَمِيِّينَ، فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الحُجُبُ سِتَّةً عَلَى عَدَدِ التَّجَلِّيَاتِ السِّتَّةِ وَالأَكْوَانِ السِّتَّةِ وَلَمْ يَشْرَحِ الحِجَابَ السَّابِعَ كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ الأَكْوَانَ السَّبْعَةَ، وَلَمْ يَشْرَحْ إِلَّا سِتَّةً، لِأَنَّ الحِجَابَ بِمَعْنَى الظُّهُورِ عَلَى صِفَاتِ مَنْ ظَهَرَ لَهُمْ، لِأَنَّهُ تَعَالَى بِذَاتِهِ لَايُعْرَفُ وَفِي كَيْنُونَتِهِ لَايُوصَفُ، فَإِذَا أَرَادَ الظُّهُورَ بِالمُشَاكَلَةِ وَالتَّأْنِيس يَكُونُ ذَلِكَ الظُّهُورُ حِجَابَ النَّاظِرِينَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ القُطْبُ المَصُونُ السَّيِّدُ الشَّهِيرُ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكزُونٍ -قَدَّسَهُ اللَّهُ- فِي إِحْدَى قَصَائِدِهِ:

مَحْجُوبَةٌ يظْهَرُهَا حِجَابُهَا

كَالشَّمْسِ يَجْلُوهَا عَلَى الطَّرَفِ الطِّفْلِ

لَيْسَ لَهَا فِي الحُسْنِ مِثْلٌ إِنَّمَا

تَمَثَّلَتْ عِنْدَ الظُّهُورِ بِالمِثْلِ

مَوْصُوفَةٌ بَيْنَ الوَرَى وَحُسْنُهَا

تَحْتَ الصِّفَاتِ وَالنُّعُوتِ مَا دخَلِ

مَلْحُوظَةُ الذَّاتِ بِعَيْنِ ذَاتِهَا

وَبَاطِنُ المَلْحُوظِ مِنْهَا قَدْ جُهِلْ

وَظَاهِرُ الحُسْنِ الَّذِي بَاطِنُهُ

ظَاهِرُهُ بَاطِنُ حُسْنٍ قَدْ كَمَلْ

وَهِيَ وَإِنْ بَانَ لَنَا جَمَالُهَا

عَنِ العِيَانِ بِالكِيَانِ لَمْ تَزَلْ

وَمِنْ حَيْثُ قَدَّمْنَا وَتَقَرَّرَ أَنَّ الحِجَابَ بِمَعْنَى الظُّهُورِ، فَنَقُولُ: أَنَّ هَذِهِ الرُّتَبَ السِّتَّ المَذْكُورَةَ، أَعْنِي الأَمْرَ وَالرُّوحَ وَالمَلَائِكَةَ وَالجَانَّ وَالجِنَّ وَالإِنْسَ، كُلٌّ مِنْهُمْ ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ سُبْحَانهِ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَذْكُرِ الحِجَابَ السَّابِعَ كَمَا أَنَّ الحَقَّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَمَّا تَصَوَّرَهُ الأَفْكَارُ، تَعَالَى مَنْ لَاتُحَاطُ قُدْرَتُهُ وَلَا تُدْرَكُ صَنْعَتُهُ الصَّانِعُ البَدِيعُ القَدِيرُ الرَّفِيعُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ العَلِيُّ العَظِيمُ.

الهوامش

1سورةالنمل: الآية 39.
الصفحة 13 من 64