مِنْ هُنَا كَانَتِ الصُّورَةُ صِفَةً مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي أَظْهَرَهَا الْبَارِي -جَلَّ وَعَلَا- لِلْبَشَر كَهُمْ وَهُوَ يَجِلُّ بِذَاتِهِ عَنْهَا، فَهِيَ لَا تَحْصُرُ الذَّاتَ وَلَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا، بَلْ تَقُومُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَظْهَرَهَا لَنَا بِقُدْرَةِ الْإِيجَادِ الْخَالِقَةِ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ.
قَالَ الْمَكْزُونُ -قَدَّسَ سِرَّهُ- :
صَفَاءُ الذَّاتِ مِنْهَا إِذْ تَجَلَّتْ | أَرَانِي فِي تَجَلِّيهَا صِفَاتِي |
وَعَلَى هَذَا السِّيَاقِ نُفَسِّرُ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُلْتَبِسَةِ عَلَى الضُّعَفَاءِ:
وَمِنْهَا مَا جَاءَ فِي الأُصَيِّفَر: قَالَ مَوْلَانَا الْباقِرُ -عَزَّ عَزُّهُ- : فَلَمَّا ظَهَرَ مِنْهُ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَعَجَزَ الْمَخْلُوقُونَ عَنْهَا عَلِمُوا أَنَّ لِتِلْكَ الصُّورَةِ مَعْنًى.
وَمِنْهَا مَا جَاءَ فِي الأُصَيِّفَر أَيْضًا: وَصِبْغَتُهُ: صُورَتُهُ الَّتِي لَا مِثَالَ وَلَا شَكْلَ يُضَاهِيهَا فَتُضْرَبُ بِهَا الْأَمْثَالُ، ظَاهِرَةً لِلْوُجُودِ وَالْعِيَانِ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَالْعَظَمَةُ مَوْجُودَةٌ فِي عَالَمِ الْكِيَانِ لَا يُوجَدُ لَهَا سَابِقٌ غَيْرُ مُبْدِيهَا وَمُخْتَرِعِهَا، وَمُنْشِيهَا.
وَهُنَا أَرَى مِنْ الضَّرُورَةِ أَنْ نُلْقِيَ الضَّوْءَ عَلَى الْأَلْفَاظِ التَّالِيَةِ السَّبْقِ، الْإِبْدَاءُ، الْاخْتِرَاعُ الْإِنْشَاءُ:
السَّبَقُ هُنَا يَعْنِي التَّقَدُّمَ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمَكَزُونُ -قَدَّسَ سِرَّهُ- فِي قَوْلِهِ: وَأَعْطَيْتُ مَعْنَاهَا التَّقَدُّمَ فِي الْهَوَى، وَالتَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ مَفْهُومَانِ مُتَضَايِفَانِ، وَيَكْفِي فِي تَعَقُّلِهِمَا




