وَهُنَا نَقُولُ: قَدْ يَخْطُرُ عَلَى بَالِ سَائِلٍ أَنْ يَسْأَلَ: لِمَاذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ الصُّورَةِ الْأَيْنِيَّةِ (الْمَرْئِيَّةِ) وَبَيْنَ الصُّورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ عِلْمًا أَنَّ الْمُوَحِّدِينَ يَقُولُونَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الْأَنْزَعِيَّةُ؟
الْجَوَابُ: إِنَّ التَّفْرِيقَ اعْتِبَارِيٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَدَالِيلُ اللَّفْظِيَّةُ لِكَيْ لَا يَزِينُ الْمُوَحَّدُ فِي كِفَّةِ الْإِثْبَاتِ دُونَ كِفَّةِ التَّنْزِيهِ وَنَحْنُ عِنْدَمَا نَقُولُ عَنْ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ بِأَنَّهَا أَنْزَعِيَّةٌ فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهَا أَنْزَعِيَّةٌ بِحَقِيقَتِهَا أَوْ مِنْ حَيْثُ ظُهُورُ الْمَعْنَى بِذَاتِهِ بِهَا، أَمَّا مِنْ حَيْثُ رُؤْيَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ صُورَةُ أَيْنِيَةٍ، وَالْعِلَّةُ فِي النَّاظِرِ لَا فِي الْمَنْظُورِ.
وَمِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ الْمَعْنَى تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ، قَوْلُ الْحَكِيمِ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْ رُوحِ الْقُدْسِ إِلَّا النَّازِلَ فِيهِ.
وَلَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ التَّجْرِيدِ: إِنَّ رُوحَ الْقُدْسِ هُوَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ وَالنَّازِلُ فِيهِ هُوَ الْمَعْنَى اللَّاهُوتُ، وَهُوَ الْغَيْبُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ.
وَجَاءَ فِي الْمَسْأَلَةِ ١٩ مِنْ كِتَابِ التَّأْيِيدِ لِلْكِلَازِي -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- : رُوحُ الْقُدْسِ هِيَ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الظَّاهِرَةُ لِأَهْلِ النُّورِ وَالْبَشَرِ، وَالْقُدْسُ هُوَ السَّيِّدُ مُحَمَّدٌ وَهِيَ رُوحُهُ، وَالنَّازِلُ فِيهِ هُوَ الْمَعْنَى اللَّاهُوتُ، وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمَوْصُوفٍ وَلَا أَقُولُ: إِنَّ النَّازِلَ فِي الصُّورَةِ غَيْرُ الصُّورَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، بَلْ أَقُولُ: إنَّ اللَّاهُوتَ هُوَ الصُّورَةُ وَالصُّورَةُ هِيَ اللَّاهُوتُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ، لَا فِي الْجِنْسِ وَالْمَنْظَرِ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا: لَا شَيءَ أَعْظَمُ مِنَ الصُّورَةِ إلَّا النَّازِلُ فِيهَا، فَهَذَا الْقَوْلُ يَقَعُ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَرْئِيَّاتِ




