إذًا الْمَعْنَى تَعَالَى مِنْ لُطْفِهِ بِنَا وَرَحْمَتِهِ بَطْنَ بِحِكْمَتِهِ، وَظَهَرَ لَنَا بِصُورَةِ اللُّطْفِ وَالْمُؤَانَسَةِ حَيْثُ ظَهَرَ لِلْبَشَرِ كَالْبَشَرِ، وَظَهَرَ لِأَهْلِ النُّورِ بِالنُّورِ. وَكَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ لَدَى الْمُوَحِّدِينَ: "ظَهَرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَمَالًا، فَرَأَيْنَاهُ مِنْ حَيْثُ نَحْنُ عَجْزًا وَكَلَالاً".
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (1) أَي: لِيَعْرِفُون، وَكَيْفَ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْرِفَهُ دُونَ أَنْ يَرَاهُ؟ أَوْ كَيْفَ لَهُ أَنْ يَعْبُدَ مَا لَا يَعْرِفُهُ؟
وَلَقَدْ قَالَ الصَّادِقُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَنْ شَكَّ بِمَا يَرَى فَهُوَ فِيمَا لَا يَرَى أَشَكُّ وَأَرِيَبُ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ فَقَدْ ضَلَّ وَكَفَرَ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبًّا لَا أَرَاهُ.
وَكَثِيرًا مَا حَذَّرَ الْأَئِمَّةُ الْمَعْصُومُونَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ بِالتَّوَهُّمِ، لِأَنَّ الْوَهْمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَى رِحَابِ الْحَقِيقَةِ، فَمثَلًا لَوْ ذَكَرْنَا " الْعَنْقَاءَ" أَوْ "الْغُولَ" أَمَامَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَسَأَلْنَاهُمْ: مَا الْعَنْقَاءُ؟ أَوْ مَا الْغُولُ؟ لَكَانَتْ أَجْوِبَتُهُمْ مُتَبَايِنَةً بِحَسَبِ عَدَدِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ الْوَهْمِيَّةَ لَدَى كُلِّ شَخْصٍ مِنْهُمْ رَسَمَتْ لَهُ فِي فِكْرِهِ صُورَةً تَخْتَلِفُ عَنِ الصُّورَةِ الَّتِي رَسَمَهَا وَهْمُ الْآخَرِ، وَذَلِكَ نَاتِجٌ عَنْ عَدَمِ وُجُودِ صُورَةٍ عَيْنِيَّةٍ مَحْسُوسَةٍ لِلْعَنْقَاءِ أَوْ الْغُولِ.




