المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
ثُمَّ قَالَ لَهُ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : مَا تَقُولُ فِي اتِّصَالِ العِلْمِ بِالعَقْلِ أَثْنَاءَ التَّعْلِيمِ عِنْدَ الطُّفُولَةِ؟ وَصُورَةِ المَوْلُودِ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُ اللَّحْمِ وَالعَظْمِ وَالتَّمَدُّدِ وَالنُّمُوِّ وَالحِسِّ؟
فَبِأَيِّ شَيْءٍ قَبِلَ المَوْلُودُ العِلْمَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ القُوَّةِ الإِلَهِيَّةِ؟
فَإِنْ قُلْتَ: مِنَ الوِلَادَةِ؛ فَقَدْ جَهِلْتَ أَصْلَ الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّ القُوَّةَ الإِلَهِيَّةَ لَا تُمَازِجُ الطَّبِيعَةَ فَتَكُونَ مَوْلُودَةً.
وَإِنْ قُلْتَ: مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ؛ قِيلَ لَكَ: بِأَيِّ قُوَّةٍ اكْتَسَبَهَا؟ فَمَاذَا تَقُولُ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْكَ يَا مَوْلَايَ أَطْلُبُ الزِّيَادَةَ.
فَقَالَ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : اعْلَمْ أَنَّ مَثَلَ المَوْلُودِ فِي القُوَّةِ، مَثَلُ وَقُودِ النَّارِ؛ فَإِنْ لَمْ تُوقَدْ عَلَيْهِ نَارٌ لَا يُصَادِفُهُ إِحْرَاقٌ. وَإِنَّمَا القَادِحُ يُضْرِمُ النَّارَ؛ حَتَّى إِذَا هُوَ قَدَحَ، أَوْجَدَ قَبُولًا لِاشْتِعَالِ النَّارِ.
وَكَذَلِكَ المَوْلُودُ فِي قَبُولِهِ الأَدَبَ، وَالتَّعْلِيمَ، وَالزِّيَادَةَ فِي الآدَابِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالِانْتِهَاءَ مِنَ العَادَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ فَتَصِيرُ عِنْدَهُ قُوَّةٌ مُمْكِنَةٌ.
وَإِذَا قَابَلَ العَالِمَ البَصِيرَ (ذُو البَصيرَةِ)، قَبِلَ مِنْهُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ؛ فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْثِيرِ كَالوَقُودِ عِنْدَمَا يُقْدَحُ عَلَيْهِ، أَيْ: قَابِلٌ لِتَلَقِّي العِلْمِ مَعَ الحِكْمَةِ. افْهَمْ تَرْشُدْ.




