المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
ثُمَّ قَالَ لَهُ -عَزَّ عَزُّهُ- : مَا تَقُولُ فِي النَّفْسِ؟ وَلِمَاذَا فَارَقَتْ عَالَمَهَا الرُّوحَانِيَّ وَعُنْصُرَهَا السَّمَاوِيَّ، فَاتَّخَذَتْ ظُلْمَةَ الأَجْسَادِ؟
وَهَلْ ذَلِكَ لِجِنَايَةٍ جَنَتْهَا، أَمْ لِزَلَّةٍ سَلَفَتْ مِنْهَا؛ فَاسْتَحَقَّتِ الهُبُوطَ مِنْ دَارِ الخُلُودِ وَالبَقَاءِ إِلَى دَارِ الهَوَانِ وَالفَنَاءِ؟ أَمِ ابْتُلِيَتْ لِتَعْلَمَ صَبْرَهَا وَطَاعَتَهَا؟
فَإِنْ قُلْتَ: لِزَلَّةٍ أَوْ جِنَايَةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَهِيَ فِي دَارِ الصَّفَاءِ مُجَرَّدَةٌ مِنْ كَدَرِ الطَّبِيعَةِ.
وَإِنْ قُلْتَ: ابْتِلَاءٌ لِصَبْرِهَا وَطَاعَتِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُبْتَلَى إِلَّا مَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ، وَمَنْ عَلِمَ بِالشَّيْءِ لَا يُبْتَلَى، وَهُوَ عَالِمٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَمَا وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا مَوْلَايَ، مِنْكَ أَطْلُبُ الزِّيَادَةَ.
قَالَ مَوْلَانَا -عَزَّ عَزُّهُ- : اعْلَمْ أَنَّ عَالَمَ الخُلُودِ لَا تَحْدُثُ فِيهِ جِنَايَةٌ وَلَا زَلَّةٌ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَصَحَّ الِابْتِلَاءُ، وَكَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي حِكْمَةِ الحَكِيمِ العَادِلِ القَادِرِ.
وَإِنَّمَا وَجْهُ الحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ: اتِّصَالُ النَّظَرِ؛ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الفَرَائِضِ الشَّرْعِيَّةِ وَالإِيضَاحَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ إِذْ لَا تُصْلِحُ النَّفْسُ فِعْلَهَا مِنْ غَيْرِ حِكْمَةٍ وَآلَةٍ؛ فَاتَّخَذَتِ الجِسْمَ، وَجَعَلَتْهُ لَهَا آلَةً وَاسْتَخْدَمَتْهُ.




